ادعاء أن أبا ذر رحمة اللّه عليه خرج مختارا إلى ( الربذة ) الا مكابر . ولسنا ننكر أن يكون ما ذكروه مرويا إلا أنه في الشاذ النادر ، وبإزاء هذه الرواية الفذة كل الروايات تتضمن خلافها ، ومن تصفح الأخبار علم أنها غير متكافئة على ما ظنوه - وكيف يكون خروجه عن تخيير ؟ وانما اشخص من الشام على الوجه الذي اشخص عليه من خشونة المركب ، وقبح السير فيه . ولما قدم منع الناس من كلامه وأغلظ له في القول . وكل هذا لا يشبه أن يكون أخرجه إلى الربذة باختياره وكيف يظن عاقل أن أبا ذر رحمة اللّه عليه يختار الربذة منزلا ، مع جدبها وقحطها وبعدها عن الخيرات ، ولم يكن منزل مثله ؟
وليس لهم أن يقولوا : إنه أشفق عليه من أن يناله بعض أهل المدينة بمكروه من حيث كان يغلظ له القول ( وذلك ) : إنه لم يكن في أهل المدينة إلا من كان راضيا بقوله ، عاتبا مثل عتبه ، إلا أنهم كانوا بين مجاهر بما في قلبه ومخف ما عنده . وما في أهل المدينة إلا من رثى مما جرى على أبي ذر ، واستفظعه ومن رجع إلى كتب السيرة عرف ما ذكرناه « 1 » .
هامش
ط دار الكتب . فتح الباري 3 / 213 ، عمدة القاري 4 / 291 ومسند أحمد 5 / 156
( 1 ) يستعرض ابن أبي الحديد - كما في شرح النهج 2 / 375 - 387 - قصة إبعاد أبي ذر رحمه اللّه أبي الربذة ، ويقول : « واقعة أبي ذر واخراجه إلى الربذة أحد الأحداث التي نقمت على عثمان . . . » ثم يأتي على استنكار فريق من الصحابة على ذلك ، فيبدأ بأمير المؤمنين وقوله - في توديعه - : يا أبا ذر ، إنك غضبت للّه ، فارج من غضبت له ، إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك ، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه ، واهرب منهم بما خفتهم عليه ، فما أحوجهم إلى ما منعتهم وما اغناك عما منعوك . . .
ويذكر توديع عقيل ابن أبي طالب ، ثم الحسن والحسين عليهما السلام ، ثم عمار بن ياسر . . . بكلمات ثائرة يشبه بعضها بعضا .