وروى محمّد بن إسحاق عن محمّد بن كعب القرضي : أن عثمان ضرب ابن مسعود أربعين سوطا في دفنه أبا ذر ، وهذه قصة أخرى : وذلك : أن أبا ذر رحمة اللّه عليه لما حضرته الوفاة ب « الربذة » وليس معه إلا امرأته وغلامه عهد إليهما : أن غسّلاني وكفناني ثم ضعاني على قارعة الطريق ، فأول ركب يمرّون بكم ، فقولوا : هذا أبو ذر صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فأعينونا على دفنه . فلما مات فعلوا ذلك ، فاقبل عبد اللّه بن مسعود في ركب من العراق عمارا ، فلم ترعهم إلا الجنازة على قارعة الطريق ، وكادت الإبل تطأها ، فقام إليهم العبد ، فقال :
هذا أبو ذر صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فأعينونا على دفنه . فانهل ابن مسعود يبكي ويقول : صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : تمشى وحدك ، وتموت وحدك وتبعث وحدك ثم نزل هو وأصحابه فواروه « 4 » .
وليس لأحد أن يقول : إن ذلك ليس بأن يكون طعنا في عثمان بأولى من أن يكون طعنا في ابن مسعود ، لأن للامام تأديب غيره ، وليس لغيره الطعن عليه والوقيعة فيه ، ( وذلك ) أنه إنما كان طعنا فيه دون ابن مسعود ، لأنه لا خلاف بين الأمة في طهارة ابن مسعود وفضله وإيمانه ، ومدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وثنائه عليه ، وأنه مات على الخلة المحمودة منه . وفي كل هذا خلاف بين المسلمين في عثمان . فلهذا كان طعنا فيه .
فان قال : ابن مسعود كره جمعه الناس على قراءة زيد واحراقه المصاحف وإنما جمع على قراءة واحدة لأن فيه تحصينا للقرآن وقطع المنازعة والاختلاف فيه .
قيل : هذا ليس بصحيح ، ولا شك في أن ابن مسعود كره إحراق المصاحف كما كرهه جماعة من أصحاب الرسول صلّى اللّه عليه وآله ، وتكلموا فيه . وقد ذكر
هامش
( 4 ) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 237 . وتاريخ الطبري - في حوادث سنة 32 - .