أيديكم عن خير من بقي ، فتمثل الزبير بقول الشاعر :
لأعرفنّك بعد الموت تندبني * وفي حياتي ما زودتني زادي « 1 »
ولما مرض ابن مسعود مرضه الذي مات فيه أتاه عثمان عائدا ، فقال :
ما تشتكي ؟ قال : ذنوبي ، قال : فما تشتهي ؟ قال : رحمة ربي . قال : لا أدعو لك طبيبا ؟ قال : الطبيب أمرضني . قال : أفلا آمر لك بعطائك ؟ قال : منعتنيه - وأنا محتاج إليه وتعطينيه وأنا مستغن عنه - ؟ قال : يكون لولدك ، قال :
رزقهم على اللّه . قال : استغفر لي يا أبا عبد الرحمن ، قال : أسأل اللّه أن يأخذ لي منك بحقي « 2 » .
وليس لأحد أن يقول : إن هذا يوجب ذم ابن مسعود من حيث لم يقبل العذر ( وذلك ) : إنه ليس يجب قبول كل عذر ظاهر ، وإنما يجب قبول ما كان صدقا ، والذي يغلب في الظن : أن الباطن فيه كالظاهر . فمن أين لهم . ان اعتذار عثمان إلى ابن مسعود كان مستوفيا للشرائط التي يجب معها القبول .
وإذا احتمل ما قلناه لم يتوجه إلى ابن مسعود الذم في الامتناع من قبول عذره .
فأما قولهم : لم يضربه ، وإنما ضربه بعض مواليه لما سمع وقيعته ، ( فالأمر ) بخلاف ذلك . وكل من قرأ الأخبار علم أن عثمان أمر باخراجه من المسجد على أعنف الوجوه ، وبأمره جرى ما جرى عليه . ولو لم يكن ذلك بأمره ولا برضاه لوجب أن ينكر على مولاه كسر ضلعه ، ويعتذر إلى من عابه على فعله بابن مسعود : بأن يقول : إنني لم آمر بذلك ولا رضيته من فاعله ، وقد أنكرت على من فعله . وفي علمنا بان ذلك لم يكن دليل على ما قلناه
هامش
( 1 ) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 236 ط دار الكتب بمصر ، والانساب للبلاذري 5 / 37 . والبيت لعبيد اللّه بن الأبرص - كما في ديوانه - .
( 2 ) بنفس المضمون عن ابن كثير في تاريخه 7 / 163 ، اليعقوبي 2 / 147 .