تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تكملة شوارق الألهام — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
العنائي ومن لوازم هذا العلم في مرحلة فعله تعالى صدور الأشياء على أتمّ إحكام وإتقان وهذه هي صفة الحكمة من الصفات الفعليّة . فمن حكمته سبحانه ما نلمسه في هذا العالم المحسوس من ناموس تكميل الأنواع وإيصال كلّ نوع منها إلى ما يناسبه من الخير والغاية وذلك بالسنن الوجوديّة الجارية في نظام الكون والطبيعة ، فيتوجّه بها كلّ نوع إلى وجهة كماله فلكلّ وجهة هو مولّيها ، فلو لا ذلك للزم العبث ، فإنّ تغريز أيّ نوع من الأنواع بغريزة كماليّة وموهبة الاستعداد مع فقد الجهازات والشروط المؤدّية إلى فعليّتها وبروزها من أكمام الاستعداد يكون تغريزا باطلا وموهبة بتراء وذلك ينافي العناية والحكمة وهذا هو القسر والحرمان الممتنع عليه تعالى ، فكلّ نوع من الأنواع الحقيقية يستقبل منذ نشأته إلى كماله المقدّر في ظلال تلك السنن الآخذة بناصيتها ،
إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
« 1 » . فتلك الأشجار فإنّها لمّا كانت تحتاج مستمرة إلى الغذاء ولم تكن لها حركة إراديّة تمشي بها في الأرض لطلب الغذاء وسدّ خلّتها ولا لها أفواه كأفواه الحيوان ، جعلت أصولها مركوزة في الأرض لتمتصّ من ثدي الأرض فتؤدّيه إلى الأغصان ثم إلى الأوراق والأثمار ولكلّ منها جزء مقسوم وشرب معلوم لا يظلم ولا يظلم ، فكلّ يؤدّي أمانته التي اؤتمن عليها امتثالا لأمره تعالى
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ
« 2 » . ثم انظر إلى أنواع الحيوان ، كيف اكتسى الحيوان البهيمي كسوة الشعر والوبر والصوف وغيرها واكتست الطيور كساء الريش ، وترى بعض الدوابّ قد كساه اللّه تعالى من الجلد ما هو في غاية الصلابة مثل السلحفاة ، وبعضها من الريش كالأسنّة ، وبعضها من الشعر كالسهام كلّ ذلك حسب حاجاتها إلى الوقاية في طريق الاستكمال من الحرّ والبرد والعدوّ ف
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
« 3 » . فمن الضروريّ أنّ نوع الإنسان - وهو أكمل الأنواع - مشمول لناموس تكميل الأنواع وسننه غير أنّ سنّة الاستكمال جرت في حقّه على شكل مخصوص وذلك أنّه حيث كان
هامش
( 1 ) . هود ( 11 ) : 56 . ( 2 ) . طه ( 20 ) 111 . ( 3 ) . طه ( 20 ) 50 .
تكملة شوارق الألهام — صفحة 86 | محمد المحمدي الگيلاني