كلّ واحد من الرخص والغلاء قد يكون من قبله تعالى بأن يقلّل جنس المتاع المعيّن ويكثّر رغبة الناس إليه فيحصل الغلاء لمصلحة المكلّفين وقد يكثّر جنس ذلك المتاع ويقلّل رغبة الناس إليه فيحصل الرخص ، وقد يحصلان من قبلنا بأن يحمل السلطان الناس على بيع تلك السلعة بسعر غال ، فيحصل الغلاء أو برخص فيحصل الرخص « 1 » . انتهى مع تلخيص منّي .
المسألة الثامنة عشر : في الأصلح
قال قدّس سرّه : « والأصلح قد يجب لوجود الداعي وانتفاء الصارف » .
اعلم : أنّهم بعد الفراغ عن أنّه يجب على اللّه تعالى أن يفعل بالعباد ما فيه صلاحهم فتنبّهوا على أنّ الصلاح مقول بالتشكيك فشرعوا في الجدال في أنّ فعل الأصلح بحال العباد هل يجب على اللّه المتعالي ؟ فاختار كلّ مذهبا ، فمن قائل : إنّه لا يجب ، ومن قائل : إنّه يجب ، ومن قائل : إنّه يجب في حال دون حال وهو المختار المصنّف رحمه اللّه وأنّه يجب في حال وجود الدّاعي وانتفاء الصارف ، لأنّه إذا كان في الإنعام مصلحة منزّهة عن المفسدة فالدّاعي موجود والصّارف مفقود فيجب الإفاضة .
أقول : قد سبق في مبحث الآجال آنفا ، أنّ وجود كل حادث ، متقدّر محدود بالأسباب المحيطة بوجود الشيء وهي التي تسوق الحوادث والموجودات إلى غاياتها فكلّ موجود حادث فإنّه يكتنفه الوجوبان : أحدهما : الوجوب السابق الناشئ من قبل المرجّح التام .
ثانيهما : الوجوب اللاحق المسمّى بالضرورة بحسب المحمول ، فالأشياء كلّها محفوفة بالوجوبين في ظرف التلبّس بالوجود كما أنّها محفوفة بالامتناعين في ظرف الاتصاف بالعدم فكلّ موجود مع ما يتعلّق به واقع في أي حدّ من الوجود يمتنع عليه التجاوز والتجافي عن ذلك الحدّ ، وذلك الحدّ هو الصالح المقدّر له في نظام الضرورة وإلى ذلك يلمح قوله تعالى :
وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى
« 2 » والأصلحيّة أو الإمكانية إنّما هي في حكم العقل ولكن ما وقع في ظرف الوجود هو الحق الصالح المقدّر وحكم العقل بالأصلحية في مزعمة الباحث
هامش
( 1 ) . كشف المراد ، ص 269 - 270 .
( 2 ) . الأعلى ( 87 ) : 3 .