تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تكملة شوارق الألهام — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
« لمّا انصرف أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام من صفّين قام إليه شيخ ممّن شهد الواقعة معه فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرنا من مسيرنا هذا أبقضاء من اللّه وقدره ؟ فقال له أمير المؤمنين : أجل يا شيخ ! فو اللّه ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلّا بقضاء من اللّه وقدره . فقال الشيخ : عند اللّه أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين ! فقال : مهلا يا شيخ ! لعلّك تظنّ قضاء حتما وقدرا لازما ، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والزجر ، ولسقط معنى الوعد والوعيد ولم تكن على مسيء لائمة ولا لمحسن محمدة ، ولكان المحسن أولى باللائمة من المذنب والمذنب أولى بالإحسان من المحسن ، تلك مقالة عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وقدريّة هذه الأمّة ومجوسها . يا شيخ ! إنّ اللّه كلّف تخييرا ، ونهى تحذيرا ، وأعطى على القليل كثيرا ، ولم يعص مغلوبا ، ولم يطع مكروها . . . » . « 1 » وقد أفصح سيّدنا الأستاذ ، صالح المتألّهين ، العلّامة الطباطبائي قدّس سرّه عن مراد الإمام عليه السّلام في هذا الحديث في تفسير الميزان بقوله : « إنّ الذي ألزم المجبّرة أن قالوا بما قالوا هو البحث في القضاء والقدر واستنتاج الحتم واللزوم فيهما وهذا البحث صحيح وكذلك النتيجة أيضا نتيجة صحيحة غير أنّهم أخطئوا في تطبيقها واشتبه عليهم أمر الحقائق والاعتباريات واختلط عليهم الوجوب والإمكان . توضيح ذلك أنّ القضاء والقدر - على تقدير ثبوتهما - ينتجان أنّ الأشياء في نظام الإيجاد والخلقة على صفة الوجوب واللزوم ، فكل موجود من الموجودات وكلّ حال من أحوال الموجود مقدّرة محدودة عند اللّه سبحانه ، معين له جميع ما هو معه من الوجود وأطواره وأحواله لا يتخلّف عنه ولا يختلف ، ومن الواضح أنّ الضرورة والوجوب من شؤون العلّة ، فإنّ العلّة التامّة هي التي إذا قيس إليها الشيء صار متّصفا بصفة الوجوب وإذا قيس إلى غيرها أيّ شيء كان لم يصر إلّا متّصفا بالإمكان فانبساط القدر والقضاء في العالم هو سريان العلّة التامّة والمعلوليّة في العالم بتمامه وجميعه وذلك لا ينافي سريان حكم القوّة والإمكان في العالم من جهة أخرى وبنظر آخر ، فالفعل الاختياري الصادر عن الإنسان
هامش
( 1 ) . عيون أخبار الرضا عليه السّلام ، ج 1 ، ص 127 - 128 .