كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ
[ الحاقة : 24 ] أي : قدّمتم في أيام الدنيا .
وإذا كان الرجل رأسا في الشر ؛ يدعو إليه ويأمر به ، فيكثر تبعه عليه ، ونودي باسمه واسم أبيه ، فيتقدم إلى حسابه ، فيخرج له كتاب أسود بخط أسود في باطنه الحسنات وفي ظاهره السيئات ، فيبدأ بالحسنات فيقرؤها ويظن أنه سينجو ، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه : هذه حسناتك وقد ردت عليك ، فيسودّ وجهه ويعلوه الحزن ، ويقنط من الخير ، ثم يقلّب كتابه فيقرأ سيئاته فلا يزداد إلا حزنا ولا يزداد وجهه إلا سوادا ، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه : هذه سيئاتك وقد ضوعفت عليك . أي : يضاعف عليه العذاب ، ليس المعنى أنه يزاد عليه ما لم يعمل ، قال :
فينظر إلى النار وتزرق عيناه ويسود وجهه ويكسى سرابيل من القطران ، ويقال له :
انطلق إلى أصحابك فأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا ، فينطلق وهو يقول :
يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ
يعني الموت
هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ
تفسير ابن عباس رضي اللّه عنه : هلكت عني حجتي ، قال تعالى :
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ
أي : اجعلوه يصلى الجحيم
ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ
واللّه أعلم بأي ذراع ، قال الحسن . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : سبعون ذراعا بذراع الملك . ويأتي في كتاب النار لهذه السلسلة مزيد بيان . فاسلكوه فيها ، أي : تدخل من فيه حتى تخرج من دبره ، قاله الكلبي . وقيل العكس ، وقيل : يدخل عنقه فيها ثم يجرّ بها ، ولو أن حلقة منها وضعت على جبل لأذابته ، فينادي أصحابه فيقول :
هل تعرفونني ؟ فيقولون : لا ، ولكن قد نرى ما بك من الخزي ، فمن أنت ؟ فيقول :
أنا فلان بن فلان لكل إنسان منكم مثل هذا .
وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ؛ فتخلع كتفه اليسرى فتجعل يده خلفه فيأخذ بها كتابه ، وقال مجاهد : يحول وجهه في موضع قفاه فيقرأ كتابه كذلك .
فتوهّم نفسك إن كنت من السعداء وقد خرجت على الخلائق مسرور الوجه قد حلّ بك الكمال والحسن والجمال ، كتابك في يمينك أخذ بضبعيك ملك ينادي على رؤوس الخلائق : هذا فلان بن فلان ، سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا .
إما إن كنت من أهل الشقاوة فيسودّ وجهك ، وتتخطى الخلائق كتابك في شمالك أو من وراء ظهرك ، تنادي بالويل والثبور ، وملك آخذ بضبعيك ينادي على رؤوس الخلائق : ألا إن فلان بن فلان شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا .
قلت : ألا إن فلان بن فلان ؛ دليل على أن الإنسان يدعى في الآخرة باسمه واسم أبيه ، وقد جاء صريحا من حديث أبي الدرداء رضي اللّه عنه قال : قال رسول