تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
شغفني رأي من رأي الخوارج ، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد الحج ، ثم نخرج على الناس ، فمررنا على المدينة ، فإذا جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه يحدّث الناس - أو القوم - إلى سارية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : وإذا هو قد ذكر الجهنميين قال : فقلت له : يا صاحب رسول اللّه ما هذا الذي تحدثون ؟ واللّه تعالى يقول :
رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ
[ آل عمران : 192 ] . و
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها
[ السجدة : 20 ] . فما هذا الذي تقولون ؟ فقال : أتقرأ القرآن ؟ فقلت : نعم . فقال : فهل سمعت بمقام محمد صلى اللّه عليه وسلم يعني الذي يبعثه اللّه عز وجل - فيه ؟ قلت : نعم . قال : فإنه مقام محمد صلى اللّه عليه وسلم - الذي يخرج اللّه به من يخرج . وذكر الحديث « 1 » . وفي البخاري من حديث أنس رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفيه : وقد سمعته يقول : فأخرج ، فأخرجهم وأدخلهم الجنة ، حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن - أي : وجب عليه الخلود - قال : ثم تلا هذه الآية :
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
قال : « هو المقام المحمود الذي وعده نبيّكم صلى اللّه عليه وسلم » « 2 » . الخامس : ما روي أن مقامه المحمود شفاعته رابع أربعة ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى .

فصل

إذا ثبت أن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء عليهم السلام ، حتى ينتهي الأمر إلى نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم فيشفع هذه الشفاعة العامة لأهل الموقف ، مؤمنهم وكافرهم ، ليراحوا من هول موقفهم ، فاعلم أن العلماء اختلفوا في شفاعاته وكم هي ، فقال النقاش : « لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلاث شفاعات : شفاعة العامة ، وشفاعة في السبق إلى الجنة ، وشفاعة في أهل الكبائر » . وقال ابن عطية في « تفسيره » : « والمشهور أنهما شفاعتان فقط ، العامة ، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار ، وهذه الشفاعة الثانية لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء » . قال القاضي عياض : شفاعات نبينا صلى اللّه عليه وسلم يوم القيامة خمس شفاعات : الأولى : العامة . الثانية : إدخال قوم الجنة بغير حساب . الثالثة : في قوم من أمته استوجبوا النار بذنوبهم فيشفع فيهم نبينا صلى اللّه عليه وسلم ، ومن
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( 191 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه ، منها رقم ( 4476 ) ومسلم ( 193 ) .
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 286 | القرطبي