تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢

فصل

هذه الشفاعة العامة التي خصّ بها نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم من بين سائر الأنبياء هي المراد بقوله عليه السلام : « لكلّ نبي دعوة مستجابة ، فتعجّل كل نبيّ دعوته ، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي » « 1 » . رواه الأئمة البخاري ومسلم وغيرهما . وهذه الشفاعة العامة لأهل الموقف إنما هي ليعجل حسابهم ويراحوا من هول الموقف ، وهي الخاصة به صلى اللّه عليه وسلم . وقوله : « أقول يا رب أمتي أمتي » ، اهتمام بأمر أمته وإظهار محبته وشفقته عليهم ، وقوله : فيقال : « يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه » يدل على أنه شفع فيما طلب من تعجل حساب أهل الموقف ، فإنه لما أمر بإدخال من لا حساب عليه من أمته ؛ فقد شرع في حساب من عليه حساب من أمته وغيرهم . وكان طلبه هذه الشفاعة من الناس بإلهام من اللّه تعالى لهم حتى يظهر في ذلك اليوم مقام نبيه صلى اللّه عليه وسلم المحمود الذي وعده ، ولذلك قال كل نبي : « لست لها لست لها » حتى انتهى الأمر إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم فقال : « أنا لها » . وروى مسلم عن قتادة ، عن أنس رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يجمع اللّه الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك » . وفي رواية : « فيلهمون فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا ! قال : فيأتون آدم » « 2 » . وذكر الحديث . وذكر أبو حامد أن بين إتيانهم من آدم إلى نوح ألف عام ، وكذا بين كل نبي إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم . وذكر أيضا أن الناس في الموقف على طبقات مختلفة وأنواع متباينة ، بحسب جرائمهم ، كمانع الزكاة والغال والغادر ، على ما يأتي بيانه . وآخرون قد عظمت فروجهم وهي تسيل صديدا يتأذى بنتنها جيرانهم ، وآخرون قد صلبوا على جذوع النيران ، وآخرون قد خرجت ألسنتهم على صدورهم أقبح ما يكون ، وهؤلاء المذكورون هم الزناة واللوطية والكاذبون ، وآخرون قد عظمت بطونهم كالجبال الرواسي وهم آكلو الربا ، وكل ذي ذنب قد بدا سوء ذنبه . قاله في كتاب : « كشف علوم الآخرة » . وذكر في آخر هذا الكتاب أن الرسل يوم القيامة على المنابر ، والأنبياء والعلماء على منابر صغار ، ومنبر كل رسول قدره ، والعلماء العاملون على كراسي من نور ، والشهداء والصالحون كقراء القرآن والمؤذنون على كثبان من
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 6304 ) ومسلم ( 198 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 193 ) .
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 282 | القرطبي