تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
ومنها الساعة قال اللّه تعالى :
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ
[ الروم : 55 ] وقال :
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ
[ الروم : 12 ] -
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ
[ الروم : 14 ] وقال :
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ
[ غافر : 46 ] وهو في القرآن كثير . والساعة ؛ كلمة يعبّر بها في العربية عن جزء من الزمان غير محدود وفي العرف على جزء من أربعة وعشرين جزءا من يوم وليلة ، والّذين هما أصل الأزمنة . وتقول العرب : أفعل كذا الساعة ، وأنا الساعة في أمر كذا ، تريد الوقت الذي أنت فيه ، والذي يليه تقريبا له . وحقيقة الإطلاق فيها أن الساعة بالألف واللام عبارة في الحقيقة عن الوقت الذي أنت فيه ، وهو المسمّى بالآن ، وسمّيت به القيامة إما لقربها ؛ فإن كل آت قريب ، وإما أن تكون سميت بها تنبيها على ما فيها من الكائنات العظام التي تصهر الجلود وتكسر العظام . وقيل : إنما سميت بالساعة لأنها تأتي بغتة في ساعة ، وقيل : إنما سميت بالساعة لأن اللّه تعالى يأمر السماء أن تمطر بماء الحيوان ، حتى تنبت الأجساد في مدافنها ومواضعها حيث كانت من بحر أو بر ، وتستقل وتتحرك بحياتها بماء الحيوان ، وليست فيها أرواح ، ثم تدعى الأرواح ، فأرواح المؤمنين تتوقد نورا ، وأرواح الكافرين تتوهج ظلمة ، فإذا دعا الأرواح ألقاها في الصور ، ثم يأمر إسرافيل أن ينفخ في الصور ، فإذا نفخ فيه خرجت من الصور ، ثم أمرت أن تلحق الأجساد ، فتبعث إلى الأجساد في أسرع من اللمحة ، وإنما سميت الساعة لسعي الأرواح إلى الأجساد في تلك السرعة ، فهي سائع ، وجمعها ساعة ، كقولك : بائع وباعة ، وضائع وضاعة ، وكائل وكالة ، فوصفت أن سائر أموره في السرعة كلمح البصر ، وأمر الساعة أقرب من لمح البصر . قاله الترمذي الحكيم . وذكر أبو نعيم الحافظ بإسناده ؛ عن وهب بن منبه قال : « إذا قامت الساعة صرخت الحجارة صراخ النساء ، وقطرت العظام دما » « 1 » . ومنها القيامة ، قال اللّه تعالى :
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ
[ القيامة : 1 ] . وهي في العربية مصدر قام يقوم ، ودخلها التأنيث للمبالغة على عادة العرب ، واختلف في تسميتها بذلك على أربعة أقوال : الأول : لوجود هذه الأمور فيها .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو نعيم في « الحلية » ( 4 / 63 ) بسند ضعيف .
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 249 | القرطبي