تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
نفسه ، والحامل تسقط من مثله كما تسقط الحوامل من الصيحة الشديدة ، ويكون الهول عظيما . والوجه الآخر : أن يكون ذلك حقيقة لا مثلا ، ويكون المعنى أن من كانت محشورة مع ولد رضيع فإنها إذا رأت هول ذلك اليوم ذهلت عمن ولدت ، وأن الحوامل إذا بعثن أسقطن من فزع يوم القيامة ، الأحمال التي كانت أحياء فماتت بموت أمهاتها أحياء ثم لا يمتن بالإسقاط ، لأن الموت لا يتكرر عليهن مرتين ، لأنه لا موت في القيامة ، وإنما هو يوم الحياة ، وتضع الحوامل حملها . ثم يحتمل أن يحيي اللّه كل حمل كان قد أتم خلقه ونفخ فيه الروح ، ويسويه ويعدّله ، فإن الأم تذهل عنه ، ولو لم تذهل ما قدرت على إرضاعه ، لأنه لا غذاء يومئذ لها ولا لبن ، واليوم يوم الحساب ، لا يقبل فيه من عذر ولا علّة ، فكيف تتخلى والاشتغال بالولد مع ما عليها من الحساب ؟ وهي بصدده من الجزاء والحمل الذي لم ينفخ فيه قط إذا سقط يكون مع الوحوش ترابا ، ولم يبتدأ إحياؤه لأن يوم الإعادة . فمن لم يمت في الدنيا لم يحي في الآخرة . قاله الحليمي في « منهاج الدين » . وقال الحسن في قوله تعالى :
وَتَرَى النَّاسَ سُكارى
[ الحج : 2 ] أي : من العذاب والخوف ،
وَما هُمْ بِسُكارى
من الشراب . ومما يبين ما قلناه : أن إبليس قال :
أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
[ الأعراف : 14 ] ، سأل النظرة والإمهال إلى يوم البعث والحساب ، طلب أن لا يموت ؛ لأن يوم البعث لا موت بعده ، فقد قال تعالى :
فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
[ ص : 80 ، 81 ] . قال ابن عباس والسدّي وغيرهما : أنظره إلى النفخة الأولى حيث يموت الخلق كلهم ، وكان طلب الإنظار إلى النفخة الثانية حيث يقوم الناس لرب العالمين فأبى اللّه ذلك عليه . قال المؤلف رحمه اللّه : وما وقع في هذا الحديث من انشقاق السماء ، وتناثر نجومها وطمس شمسها وقمرها . فقد ذكر المحاسبي وغيره : أن ذلك يكون بعد جمع الناس في الموقف ، وروي عن ابن عباس ، وسيأتي . وقاله الحليمي في كتاب « منهاج الدين » .

فصل

فأما التكوين يوم القيامة قبل الحساب ؛ فقد قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
إلى قوله :
عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
[ الحج : 1 ، 2 ] وقال :
إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها
[ الزلزلة : 1 ] إلى آخرها .
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 226 | القرطبي