واسألوا منهم لم كانت صلاة المغرب ثلاث ركعات ، وصلاة الصبح ركعتين كل واحد منهما في طرف من طرفي النهار ؟ ولم كان الركوع واحدا والسجود اثنين ؟ ولم لم يقطع فرج الزاني ، وتقطع يد السارق ؟ وهما جميعا آلة الخيانة .
واسألوهم لم كان اللسان واحدا ، والأذن اثنتين ؟ والذكر واحدا ، والخصية اثنتين ؟ ولم كانت الأهداب ثابتة على جفن الانسان ، ولا يكون لسائر الحيوانات الأهداب إلا على أحد الجفنين ؟ ولم كان بعض الحيوانات يبيض ، وبعضها يلد ؟ .
وإذا ظفروا بواحد من السلاطين والمحتسبين قالوا له : وضعت هذه الشريعة للحمير والعوام وأنتم من جملة الخواص ينبغي أن يكون لدينك خاصية تخالف دينهم . ويقولون : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يكن نبيا ، ولا رسولا ، ولكنه كان حكيما أراد أن يستعبد العوام فكلفهم هذه التكاليف ولا بد للخواص أن يتميزوا عنهم ولا ينقادوا لشيء لا أصل له .
وإذا وردت هذه الأسئلة على العامي تحير فيها ، ورجع إلى واحد من أهل العلم فيقول العالم : لا تسمع هذا الكلام ولا تغتر به لأنه من كلام الباطنية ، وهذا الّذي تسألني عنه إنما هو أمور أمر اللّه بها فلا اعتراض عليه ، ولو أمر بخلافه لكان يجوز . وأشياء خلقها اللّه كان يجوز أن يخلق بخلافها لعموم قدرته . ألا ترى أن اللّه تبارك وتعالى خلق بعض الحيوانات على رجلين ، وبعضها على أربع ، وبعضها خلق بلا رجل تمشى على بطنها ، وفيها ما يطير بالجناح ، وخلق بعضها يمشى على البر ولو سقط في الماء هلك ، وبعضها يعيش في البر والبحر ، وخلق الأجسام بحيث ترسب في الماء مثل الحجر والحديد ، وبعضها يطفو على الماء كالخشب وغيره ، فهذا كله دليل عموم قدرة اللّه تعالى وأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
« 1 » .
فإذا رجع العامي إلى من لقنه تلك الأسئلة وذكر له الجواب الّذي وصفه . قال له : قد علمت الآن أنك لا تعرف شيئا ، فشككه في أمر الدين ، وفي حال العالم ، فأوهم بذلك الغر الغمر أن تحتها حكمة عظيمة يعرفها ويقولون إذا تحير العامي : لا يعرف أسرار هذه الأمور غيرنا . فإذا طالبهم العامي ببيانه يقولون : ليس هذا من الأسرار التي تفشى بلا عهد ولا ميثاق ، فإنها أسرار يعرفها الخواص . فيحلفونه
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء 23 .