فيظهر حينئذ ما هما عليه من حسن السريرة وسوءها ، فتعامل حينئذ مع كلّ بما ظهر منه من الطاعة والعصيان ؛ لئلّا يزعم المسئ أنّك رجّحت المحسن عليه من غير موجب للترجيح .
فكذلك تقدير الجاعل الحقّ العصيان للعاصي بإقداره على ذلك ، وتهيئة الآلات اللوازم له ، وعدم منعه عنه ، وقضاؤه عليه لعلمه تعالى بأنّه لا يختار إلّا ذلك ؛ لخباثة طينته مع تبيينه له سبيل الرشد ، وطريق الغيّ بآيات ظاهرة ، وشواهد قائمة لا يوجب جبرا ولا تفويضا ، بل هو معاملة مع العبد بما يقتضيه ذاته مع مزيد التفضّل .
نعم ، لو كان تعالى قد قدّر له ما هو خلاف مقتضى سريرته وحقيقته ، أو جعله فرضا بحيث لا مدخليّة لإقداره تعالى وتقديره وقضائه في أفعاله ، فالأوّل ملازم للأوّل ، والثاني للثاني .
في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السّلام حين ذكر عنده عليه السّلام اختلاف الناس في الخلق والخلق :
« إنّما فرق بينهم مبادئ طينتهم وذلك أنّهم كانوا فلقة « 1 » من سبخ أرض وعذبها ، وحزن تربة وسهلها على حسب قرب أرضهم يتقاربون ، وعلى قدر اختلافها يتفاوتون » « 2 » .
وفي الكافي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : « من زعم أنّ اللّه يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على اللّه ، ومن زعم أنّ الخير والشرّ بغير مشيئة اللّه فقد أخرج اللّه من سلطانه ، ومن زعم أنّ المعاصي بغير قوّة اللّه فقد كذب على اللّه ، ومن كذب على اللّه أدخله اللّه النار » . « 3 »
وفيه أيضا في حديث طويل عنه عليه السّلام : « إنّ اللّه تعالى لم يجبر أحدا على معصيته ، ولا أراد - إرادة حتم - الكفر من أحد ، ولكن حين كفر كان في إرادة اللّه أن يكفر ، وهم في إرادة اللّه تعالى وفي علمه أن لا يصيروا إلى شيء من الخير .
قال السائل : أراد منهم أن يكفروا ؟
قال عليه السّلام : « ليس هكذا أقول ولكنّي أقول : علم أنّهم سيكفرون ، فأراد الكفر ؛ لعلمه فيهم ، وليست هي إرادة حتم بل إرادة اختيار » « 4 » .
وقال اللّه تبارك وتعالى :
كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
« 5 » .
هامش
( 1 ) . الفلقة كالقطعة وزنا ومعنا . ( منه ره )
( 2 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 234 .
( 3 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 158 ، باب الجبر والقدر ، ح 6 .
( 4 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 162 ، باب الاستطاعة ، ح 3 .
( 5 ) . الإسراء ( 17 ) الآية 84 .