وهو البقاء بالحقّ ، وهذا المقام ، أي مقام الولاية دائرته أكبر من دائرة النبوّة ، ولذلك انختمت النبوّة ، والولاية دائمة ، وجعل الولي اسما من أسماء اللّه تعالى دون النبي .
فالرسالة والنبوّة التشريعيّتان لمّا كانتا من الصفات الكونيّة الزمانيّة فتنقطعان بانقطاع زمان النبوّة والرسالة ، والولاية صفة إلهيّة لا تنقطع أبدا ، ولا يمكن الوصول لأحد من الأنبياء وغير هم إلى الحضرة الإلهيّة إلّا بالولاية التي هي باطن النبوّة .
نعم ، النبوّة التعريفيّة وهي الإنباء عن المعارف الإلهيّة ثابتة للأولياء ، وباقية ببقاء الولاية ، أي لم ينقطع ما دامت الدنيا باقية ، وعند انقطاعها ينتقل الأمر إلى الآخرة .
ولمّا كانت الولاية أكبر حيطة من النبوّة وباطنا لها شملت الأنبياء والأولياء ، فالأنبياء أولياء فانين في الحقّ ، باقين به ، منبئين عن الغيب وأسرار ؛ لأنّ الوليّ هو الذي فنى في الحقّ تعالى ، وعند هذا الفناء يطّلع على الحقائق والمعارف الإلهيّة ، فينبئ عنها عند بقائه ثانيا ، وكذلك النبي ؛ لأنّه من حيث ولايته يطّلع على الحقائق والمعارف ؛ فينبئ عنها ، وهذا المقام - كمقام النبوّة - اختصاص إلهي غير كسبي .
فأوّل الولاية انتهاء السفر الأوّل ، الذي هو السفر من الخلق إلى الحقّ بإزالة التعشّق عن المظاهر والأغيار ، والخلاص من القيود والأستار ، والعبور من المنازل والمقامات ، والحصول بأعلى المراتب والدرجات .
وبمجرّد حصول اليقين للشخص لا يلحق بأهل هذا المقام ، ولا بحصول الكشف الشهودي أيضا إلّا أن يكون موجبا لفناء الشاهد في المشهود ، ومحو العابد في المعبود .
فلا يتوهّم العارف غير الواصل ، والمشاهد بقوّة استعداده للغيوب ، والمتّصف بالصفات الحميدة والأخلاق المرضيّة ، غير السالك طريق الحقّ بالفناء عن الأفعال والصفات والذات المتحقّق بمقام قرب النوافل والفرائض ، أنّه وليّ واصل ؛ لأنّ وصوله علميّ أو شهوديّ ، وهو غير واصل في الحقيقة ؛ لكونه في حجاب العلم والشهود ، وقد قيل : العلم هو الحجاب الأكبر .
وقال صاحب كتاب الإشارات في مقامات العارفين : من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني « 1 » .
وإنّما يتجلّى الحقّ لمن انمحى رسمه وزال عنه اسمه ، فالأولياء هم الذين تطهّروا من
هامش
( 1 ) . الإشارات والتنبيهات ، ج 3 ، ص 379 و 390 .