ثمّ - كما أنّ الولاية تنقسم إلى المطلقة والمقيّدة ؛ لأنّها من حيث هي هي صفة إلهيّة مطلقة ، ومن حيث استنادها إلى الأنبياء والأولياء مقيّدة ، والمقيّدة متقوّم بالمطلق والمطلق ظاهر في المقيّد ، فولاية الأنبياء والأولياء كلّهم جزئيّات الولاية المطلقة ، كما أنّ نبوّة الأنبياء جزئيّات النبوّة المطلقة - تنقسم أيضا بالعامّة والخاصّة :
والأولى : هي التي تعمّ جميع المؤمنين بأصنافهم ، وتشمل كلّ من آمن باللّه تعالى وعمل صالحا بمراتبهم ، كما قال اللّه تعالى
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
« 1 » ؛ فإنّ الإيمان له مراتب ودرجات :
منها : اعتقاد جازم ثابت مطابق للواقع من دون برهان ، كاعتقاد المقلّد المصيب ، فإنّه ليس مستندا ومأخوذا من البرهان ، وإنّما استناده إلى مخبر صادق ، وقد حصل له القطع بصدقه .
ومنها : أن يتصوّر الأمر على ما هو عليه ، ولكنّه كان مستندا إلى البرهان المفيد للقطع ، وهذا أقوى وأرفع من الأوّل ، كإيمان أصحاب الفكر ، وأهل النظر ، وكلاهما مرتبة علم اليقين .
ومنها : العلم الشهودي الإشراقي المطابق للواقع المعبّر عنه بالكشف الصحيح .
وهذا أقوى من المرتبتين السابقتين ، كإيمان أهل السلوك وأصحاب الكشوف ، ويكون مرتبة عين اليقين . وكلّ هؤلاء أولياؤه تعالى ، واللّه تعالى وليّهم ، وتتفاوت درجاتهم على حسب درجات إيمانهم .
والثانية : وهي الخاصّة تختصّ بالسالكين عند فنائهم في الحقّ ، وبقائهم به علما وشهودا وحالا ، لا علما فقط ، فالخاصّة عبارة عن فناء العبد في الحقّ ذاتا وصفة وفعلا ، المعبّر عنه بالمحقّ والطمس ، والمحو إشارة إلى توحيد الذات والصفات والأفعال - بل أثرا أيضا -
من همان دم كه وضو ساختم از چشمهء عشق * چار تكبير زدم يكسره بر هر چه كه هست
ولسانها :
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ
« 2 »
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا
« 3 » .
فالوليّ هو الفاني فيه تعالى الباقي به ، وليس المراد بالفناء انعدام عين العبد مطلقا ، بل المراد منه فناء الجهة البشريّة في خطبة الربّانيّة ؛ فإنّ العبد مبدأ لأفعاله وصفاته قبل الاتّصاف بمقام
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) الآية 257 .
( 2 ) . فاطر ( 35 ) الآية 15 .
( 3 ) . فاطر ( 35 ) الآية 41 .