تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
اعلم أنّ السائس لا يتمكّن من السياسة البالغة إلّا إذا كان يعمل برأيه ، وبما يرى فيه صلاح ملكه وتمهيد أمره وتوطيد قاعدته ، سواء أوافق الشريعة أم لم يوافقها ، ومتى لم يعمل في السياسة والتدبير بموجب ما قلناه ، وإلّا فبعيد أن ينتظم أمره أو يستوثق حاله . وأمير المؤمنين عليه السلام كان مقيّداً بقيود الشريعة ، مدفوعاً إلى اتّباعها ، ورفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب والكيد والتدبير ، إذا لم يكن للشرع موافقاً ، فلم تكن قاعدته في خلافته ، قاعدة غيره ممّن لم يلتزم بذلك ، ولسنا بهذا القول ضارّين على عمر بن الخطاب ولا ناسبين إليه ما هو منزّه عنه ، ولكنّه كان مجتهداً يعمل بالقياس والاستحسان ، والمصالح المرسلة ، ويرى تخصيص عمومات النص بالآراء وبالاستنباط ، من أُصول تقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النص ، ويكيد خصمه ، ويأمر أُمراءه بالكيد والحيلة ، ويؤدّب بالدرّة والسوط من يغلب على ظنّه أنّه يستوجب ذلك ، ويصفح عن آخرين قد اجترموا ما يستحقّون به التأديب . كلّ ذلك بقوّة اجتهاده وما يؤدّيه إليه نظره . ولم يكن أمير المؤمنين عليه السلام يرى ذلك ، وكان يقف مع النصوص والظواهر ولا يتعدّاها إلى الاجتهاد والأقيسة ، ويطبّق أُمور الدنيا على الدين ويسوق الكلّ مساقاً واحداً ، فاختلفت طريقتاهما في الخلافة والسياسة . « 1 » وقال الجاحظ : وربّما رأيت بعض من يظن بنفسه العقل والتحسين والفهم والتمييز ، وهو من العامة وهو يظن أنّه من الخاصة يزعم أنّ معاوية كان أبعد غوراً ، وأصحّ فكراً ، وأجود روية ، وأبعد غاية ، وأدق مسلكاً ، وليس الأمر
هامش
( 1 ) . شرح نهج البلاغة : 10 / 572 .