تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 731

مساهمون:

ص٧٣١
كان هذا نواة لمذهب التشيّع في تلك البلاد ، وإن تغلّب عليها الأمويون بعد ذلك حين قَتلَ عمرو بن العاص ومعاوية بن حديج - اللذان أرسلهما معاوية بن أبي سفيان إلى مصر - والي عليّ عليه السلام على مصر محمّد بن أبي بكر بشكل بشع ، ثمّ جعلوا جثّته في جيفة حمار وأحرقوها بالنار ، وهو أُسلوب يدلّ على انحراف كبير عن الدين ، وانسلاخ عن أبسط معاني الإنسانية ، ولكن للحقّ دولة وللباطل جولة ، فهذه الأعمال الإجرامية وما ارتكبه العباسيون من الجرائم صارت سبباً لابتعاد الناس عن السلطات المتعاقبة الظالمة وتعاطفهم مع العلويين واحتضانهم لهم ، ويظهر ذلك بوضوح عند قيام الدولة الفاطمية الشيعية هناك والتفاف المسلمين حولها ، والتي كان لها الدور الأكبر في انتشار التشيّع واعتناق المسلمين له في شمال إفريقيا ، حيث امتدّ نفوذها وسلطانها إلى الجزائر والمغرب وتونس وليبيا ، وكذا إلى السودان جنوب مصر . لقد اعتنق المصريّون التشيّع برغبة وجهروا بحيّ على خير العمل ، وتفضيل عليّ على غيره ، كما جهروا بالصلاة على النبيّ وآله صلى الله عليه وآله . لقد قامت في عهد الفاطميين مراسم عاشوراء ، وعيد الغدير ، ولم تزل هذه المراسم إلى يومنا هذا . وكان التشيّع مخيّماً على مصر في عهد الفاطميين وضارباً أطنابه في القرى والبلدان ، لولا أنّ صلاح الدين الأيوبي أزال سلطتهم ومذهبهم من مصر بقوّة السيف والنار ، والتاريخ يشهد على عظم الجرائم وقسوتها التي قام بها صلاح الدين وأتباعه في سبيل هذا الأمر . وهذه الصفحة من تاريخ مصر مليئة بالأسى والحزن ، راح ضحيتها العديد من أتباع المذهب المحمّدي ، إلّا أنّها لم تستطع أن تقضي عليه ، فلا زال هناك الكثير من الشيعة ومن المتعاطفين روحياً معهم ، والذين يعبّرون عن ذلك بوضوح في
بحوث في الملل والنحل — صفحة 731 | الشيخ جعفر السبحاني