تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
عليّاً ، فقال : أو تعفيني ؟ قال : صفه ، قال : أو تعفيني ؟ قال : لا أعفيك ، قال : أمّا إذ لا بدّ فأقول ما أعلمه منه : واللَّه كان بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلًا ، ويحكم عدلًا ، يتفجّر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته ، كان واللَّه غزير الدمعة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفّيه ، ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما خشن ، ومن الطعام ما جشب . كان واللَّه كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه ، ويبتدئنا إذا أتيناه ، ويأتينا إذا دعوناه ، ونحن واللَّه مع تقريبه لنا وقربه منّا لا نكلّمه هيبة ، ولا نبتدئه عظمة ، إن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظّم أهل الدين ، ويحبّ المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله . فأشهد باللَّه لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، وقد مثل في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ، وكأنّي أسمعه وهو يقول : يا دنيا أبي تعرّضت ؟ أم إليّ تشوّقت ؟ هيهات هيهات غرّي غيري ، قد باينتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك ، فعمرك قصير ، وعيشك حقير ، وخطرك كثير ، آه من قلّة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق . قال : فذرفت دموع معاوية على لحيته فما يملكها وهو ينشفها بكمّه وقد اختنق القوم بالبكاء ، فقال معاوية : رحم اللَّه أبا الحسن ! كان واللَّه كذلك ،