والآية صريحة في جواز التمتّع بمحظورات الإحرام بعد الإتيان بأعمال العمرة ، وقبل التوجّه إلى الحجّ ، ولم يدّع أحد كونها منسوخة بآية ، أو قول أو فعل ، بل أكّد النبيّ الأكرم تشريعه بعمله .
روى أهل السير والتاريخ : أنّ رسول اللَّه خرج في العام العاشر من الهجرة إلى الحجّ لخمس ليال بقين من ذي القعدة ، وقد نقل ابن هشام عن عائشة أنّها قالت : لا يُذكَر ولا يَذكُر النّاسُ إلّا الحجّ حتّى إذا كان بسرف وقد ساق رسول اللَّه صلى الله عليه وآله معه الهدي ، وأشراف من أشراف الناس ، أمر الناس أن يحلّوا بعمرة إلّا من ساق الهدي - إلى أن قالت : - ودخل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم مكة فحلّ كلّ من كان لا هدي معه ، وحلّت نساؤُه بعمرة .
وروى ابن هشام أيضاً عن حفصة بنت عمر ، قالت : لمّا أمر رسول اللَّه نساءه أن يحلُلن بعمرة ، قلن : فما يمنعك يا رسول اللَّه أن تحلّ معنا ؟ فقال : إنّي أهديتُ ولبّوت فلا أُحلّ حتّى انحَرَ هديي .
إنّ رسول اللَّه كان بعث علياً رضي الله عنه إلى نجران فلقيه بمكّة وقد أحرم فدخل على فاطمة بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فوجدها قد حلَّتْ وتهيّأت فقال : ما لك يا بنت رسول اللَّه ؟ قالت : أمرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أن نحلّ بعمرة فحللنا ، ثمّ أتى رسول اللَّه ، فلمّا فرغ من الخبر عن سفره قال له رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : انطلق فطف بالبيت وحلّ كما حلّ أصحابك ، قال : يا رسول اللَّه إنّي أهللتُ كما أهللتَ فقال : ارجع فاحلل كما حلّ أصحابُك ، قال : يا رسول اللَّه إنّي قلت حين أحرمت : اللّهمّ إنّي أُهلُّ بما أهلَّ به نبيُّك وعبدُك ورسولُك صلى الله عليه وآله قال :
فهل معك من هدي ؟ ! قال : لا . فأشركه رسول اللَّه في هديه وثبتَ على
بحوث في الملل والنحل — صفحة 377
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٧٧