تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
الثانية : العناية بتحليل عقائد الأُمم ونقدها ، فإنّ الغالب على كتاب « الملل والنحل » هو سرد العقائد من دون نقد أو تحليل ، وكأنّهم زعموا أنّ واجب المؤرّخ لا يتعدّى بيان الحوادث في التاريخ ، وعرض العقائد في مجال الملل والنحل ، وكأنّ إحقاق الحقّ واجب المتكلّم فقط ، ونحن ضربنا عن هذا صفحاً وتوخّينا بيان الحقّ على وجه يناسب كتاب « الملل والنحل » ، وهذا هو المنهج الذي مشينا عليه في أجزاء الكتاب كلّها ، وهو تحقيق الموضوع الذي طرح للبحث من جانب كلّ فرقة وملة . ولأجل ذلك أصبح الكتاب : كتاباً كلامياً أوّلًا ، وتاريخياً للعقائد والمذاهب ثانياً ، وموسوعة لبيان حالات رجالهم وشخصياتهم وتاريخ نشوئهم ثالثاً . وأرجو منه سبحانه أن يوفّقنا لما فيه رضاه وأن يصوننا من الزلّة في الرأي والقول والفعل والعمل . وأمّا الفرق التي دار حولها البحث والنقد فهي على سبيل الفهرس : 1 - « أهل الحديث والحنابلة » الذين يعبّر عنهم في عصرنا هذا ب « السلفية » حتى صارت هذه الكلمة شعاراً لهم ، وكأنّ « السلف » معصوم من الزلة متحرّر من الخطأ . 2 - « الأشاعرة » آراؤهم وأفكارهم وترجمة مفكّريهم ومحقّقيهم ، وإنّما قدمنا هذه الفرقة على « المعتزلة » مع أنّ الشيخ الأشعري مؤسس هذا المذهب كان معتزلياً ثمّ تاب عن الاعتزال ورجع إلى مذهب الإمام « أحمد بن حنبل » وأسّس مذهباً معتدلًا بين المذهبين وإنّما قدمناه لأجل الصلة القويمة بين المذهبين : « أهل الحديث » و « الأشاعرة » . 3 - الحركات الرجعية في القرون الأُولى كالمرجئة والجهمية والكرامية والظاهرية ، وسيوافيك أنّ آراءهم وأفكارهم في هذه القرون كانت رجعية بحتة تخالف منطق العقل الذي تعتمد عليه المعتزلة ، ومنطق الكتاب والسنّة الذي يعرج عليهما الحنابلة ، وأمّا الذي تولى كبرها فسوف يظهر لك في ذلك الفصل .
بحوث في الملل والنحل — صفحة 16 | الشيخ جعفر السبحاني