تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
الثانية : أنّ الصادر عنه أوّلا بلا واسطة هو العقل ، وبيان هذه الدعوى موقوف على تصوّر أقسام الممكن . قالوا : الموجود الممكن إمّا أن يفتقر إلى موضوع أولا . والمراد بالموضوع هو المحلّ المقوّم لما يحلّ فيه . فإن كان الأوّل فهو العرض ، وإن كان الثاني فهو الجوهر . فإمّا أن يكون محلّا ، أو حالّا ، أو مركّبا منهما ، أوليس واحدا من الثلاثة . فإن كان محلّا فهو المادّة ، وإن كان حالّا فهو الصورة ، وإن كان مركّبا منهما فهو الجسم ، وإن لم يكن واحدا من الثلاثة فهو المجرّد . فإن افتقر في كمالاته إلى البدن فهو النّفس وإن لم يفتقر فهو العقل . إذا تقرّر هذا قالوا : لا يجوز أن يكون الصادر الأوّل عنه عرضا ؛ لأنّ العرض مفتقر إلى الموضوع فهو يستدعي سبقيّته . فلو كان هو الأوّل لتقدّم على محلّه . ولا مادّة ؛ وإلّا لكانت صالحة للتأثير ، لكن المادّة لا تصلح ؛ لأنّها قابلة والفاعل لا يكون قابلا . ولا صورة ؛ لأنّها مفتقرة في فاعليّتها إلى المادّة فلا تكون سابقة عليها . ولا جسما ؛ لتركّبه ، فيكون الصادر اثنين لا واحد . ولا نفسا ؛ لأنّها تتوقّف في فعلها على الآلة ، فتستدعي سبقيّتها . فلم يبق إلّا العقل ، وهو المطلوب . هذا تقرير ما قالوه « 1 » ، وقد عرفت ضعف مبناه .
هامش
( 1 ) - استدلّوا على إثبات الجواهر المجرّدة التي هي العقول بوجوه : الأوّل : قالوا : إنّ اللّه تعالى واحد فلا يكون علّة للمتكثّر ، فيكون الصادر عنه واحدا ، فلا يخلو إمّا أن يكون جسما أو مادّة أو صورة ، أو نفسا أو عرضا أو عقلا ، والأقسام كلّها باطلة سوى الأخير . أمّا الأوّل : فلأنّ كلّ جسم مركّب من المادّة والصورة . وقد بيّنّا أنّ المعلول الأوّل واحد . أمّا الثاني : فلأنّ المادّة هي الجوهر القابل ، فلا تصلح للفاعليّة ؛ لأنّ نسبة القبول نسبة الإمكان ، ونسبة الفاعل نسبة الوجوب ، ويستحيل أن تكون نسبة الشيء الواحد إلى الواحد نسبة إمكان ووجوب . أمّا الثالث : فلأنّ الصورة مفتقرة في فاعليّتها وتأثيرها إلى المادّة ، لأنّها إنّما تؤثّر إذا كانت موجودة مشخّصة . وإنّما تكون كذلك إذا كانت مقارنة للمادّة . فلو كانت الصورة هي المعلول الأوّل السابق على غيره لكانت مستغنية في عليّتها عن المادّة ، وهو محال . أمّا الرابع : فلأنّ النفس إنّما تفعل بواسطة البدن ، فلو كانت هي المعلول الأوّل لكانت علّة لما بعدها من الأجسام ، فتكون مستغنية في فعلها عن البدن فلا تكون نفسا بل عقلا ، وهو محال . أمّا الخامس : فلأنّ العرض محتاج في وجوده إلى الجوهر ، فلو كان المعلول الأوّل عرضا لكان علّة للجواهر كلّها ، فيكون السابق مشروطا باللّاحق في وجوده ، وهو باطل بالضرورة . قال العلّامة : إذا عرفت هذا الدليل فنقول بعد تسليم أصوله : إنّه إنّما يلزم لو كان المؤثّر موجبا ، وأمّا إذا كان مختارا فلا ، فإنّ المختار تتعدّد آثاره وأفعاله . وسيأتي الدليل على أنّه مختار . كشف المراد : 131 .