تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
عقل واحد « 1 » أقول : النقض في اصطلاح المناظرين يقال على معنيين : إجماليّ وتفصيليّ . فالإجماليّ هو تخلّف الحكم المدّعى ثبوته نفيا أو إثباتا عن دليل المعلّل . والتفصيليّ هو منع مقدّمة من مقدّمات الدليل . ويقال مجازا على مطلق المنع الخالي عن السند . ويمكن حمل كلام المصنّف على كلّ واحد منها كما يجيء . إذا عرفت هذا فنقول : قالت الفلاسفة : البارئ تعالى واحد حقّا من جميع الجهات والاعتبارات ، وكلّ واحد حقّا لا يصدر عنه إلّا واحد فالبارئ لا يصدر عنه إلّا واحد ، وذلك الواحد هو العقل ، فالصادر عن البارئ بلا واسطة ليس إلّا العقل . فهنا دعويان : الأولى : أنّه واحد حقّا ، وهذا تقدّم بيانه . وأنّ كلّ واحد حقّا لا يصدر عنه أكثر من واحد . ولهم على هذه الدعوى شبه ، أشهرها وأمتنها هو أنّ الواحد حقّا لو صدر عنه أكثر من واحد لكان لكلّ مصدريّة تغاير مصدريّة الآخر ، بدليل تصوّر إحداهما حال الغفلة عن الأخرى ، والمصدريّتان ثبوتيّتان ؛ ( لأنّهما نقيضتان للا مصدريّة العدميّ ) « 2 » ونقيض العدميّ ثبوتيّ . فالمصدريّتان إن دخلتا أو إحداهما في ماهيّة ذلك الواحد لزم التركيب فيه ، وهو خلاف الفرض ، وإن خرجتا أو إحداهما لزم التسلسل : لأنّ ذلك الخارج معلول أيضا ، فننقل الكلام إليه ويلزم ما قلناه . والجواب بالنقض إجمالا بالصدور الواحد ، فإنّه أمر ثبوتيّ يلزم من دخوله التركيب ومن خروجه التسلسل . وتفصيلا بمنع لزوم التسلسل على تقدير الخروج ، فإنّ المصدريّة من الأمور الاعتباريّة التي لا وجود لها خارجا ؛ لأنّها من قبيل الإضافات . وهي ليست بمتحقّقة خارجا عندنا وإلّا لزم التسلسل ، فحينئذ نختار أنّ المصدريّة خارجة ولا يلزم التسلسل ؛ لعدم احتياج ذلك الأمر الاعتباريّ إلى علّة .
هامش
( 1 ) - واعلم أنّ أكثر الفلاسفة ذهبوا إلى أنّ المعلول الأوّل ، وهو العقل الأوّل ، وهو موجود مجرّد عن الأجسام والمواد في ذاته وتأثيره معا . ثمّ إنّ ذلك العقل يصدر عنه عقل وفلك لتكثّره باعتبار كثرة جهاته الحاصلة من ذاته ومن فاعله . ثمّ يصدر من العقل الثاني عقل ثالث وفلك ثان ، وهكذا إلى أن ينتهي إلى العقل الآخر وهو المسمّى بالعقل الفعّال . كشف المراد : 131 . ( 2 ) - ما بين القوسين في « خ » « ن » : لأنّهما نقيضا الّا مصدريّة ، العدمي .