تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
مدينة أنطاكية ، فلقيا من أهلها عنفا وردّا ، غير أنّ واحدا من أهلها اسمه حبيب النجار ، آمن بهما وأظهر إيمانه ، وقال :
إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ
، فلما سمع القوم إيمانه وطئوه بأرجلهم حتى مات ، فأدخله اللّه الجنة ، وخوطب بقوله تعالى :
أُدْخِلَ الْجَنَّةَ
. ثم هو تمنّى أن يعلم قومه بما آتاه اللّه تعالى من المغفرة وجزيل الثواب ، فقال :
يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ
. فالآية تدل على أنّ الموت ليس فناء للإنسان ، بل هو بعد الموت يرزق في الجنة ، ويتمنى أن يعلم قومه بما رزق من الكرامة . أضف إلى ذلك أنّ قوله تعالى :
أُدْخِلَ الْجَنَّةَ
، لا يمكن أن يكون خطابا للبدن لأنه يوارى تحت التراب ، فالمخاطب به شيء آخر ، وهو الروح ، فتدخل الجنة وتتنعّم فيها ، وكم فرق بين قوله : « أدخل الجنة » وقوله « أبشر بالجنة » فالثاني لا يدلّ على شيء مما ذكرنا بخلاف الأوّل . ( و ) يقول سبحانه :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً ، فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ، ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ، فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
« 1 » . وأمّا دلالة الآية على أنّ الروح أمر غير مادّي ، فيظهر بالإمعان فيها ، وبيانه : أنّ الآية تبيّن تكامل خلقة الإنسان من مرحلة إلى مرحلة ، والمراحل الموجودة بين السلالة ، وقوله :
فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً
، كلّها تكامل من صنف واحد ، فمادة الإنسان لن تبرح تتكامل من السلالة إلى العظام المكسوة باللّحم . وبعد ذلك نرى تغييرا في أسلوب بيان الآية ، حيث يقول :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ، فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
. فهو سبحانه : أولا : يعطف هذه المرحلة على المراحل السابقة ، بلفظة ثمّ ، بخلاف
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون : الآيات 12 - 14 .