لا نتصور لإرادته تعالى معنى غير إعمال القدرة والسلطنة ، ولما كانت سلطنته تعالى تامة من جميع الجهات والنواحي ، ولا يتصور النقص فيها أبدا ، فبطبيعة الحال يتحقق الفعل في الخارج ويوجد صرف إعمال القدرة من دون توقفه على أيّة مقدمة أخرى ، كما هو مقتضى قوله سبحانه :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
» « 1 » .
يلاحظ عليه : إنّ إعمال القدرة والسلطنة إما اختياريّ له سبحانه أو اضطراريّ ، ولا سبيل إلى الثاني لأنه يستلزم أن يكون تعالى فاعلا مضطرا ولا يصح توصيفه بالقدرة ولا تسميته بالقادر . وعلى الأول ، فما هو ملاك كونه فاعلا مختارا ؟ . لا بد أن يكون هناك قبل إعمال السلطنة وتنفيذ القدرة شيء يدور عليه كونه فاعلا مختارا ، فلا يصح الاكتفاء بإعمال القدرة .
وباختصار ، إنّ الاكتفاء بإعمال القدرة من دون إثبات اختيار له في مقام الذات بنحو من الأنحاء ، غير مفيد .
د - إرادته سبحانه نسبة تمامية السبب إلى الفعل
جعل العلامة الطباطبائي إرادته تعالى من صفات فعله ، وحاصل نظريته : إنّ الصفة الوحيدة من بين الصفات النفسانية التي يجدها الإنسان في صميم ذاته ، القابلة للانطباق على عنوان « الإرادة » ، هي صفة « القصد » .
و « القصد » الذي هو واسطة بين العلم بالفعل وتحققه ، عبارة عن الميل النفسي للفاعل إلى الإتيان بالفعل .
ولا يصح أبدا تفسير الإرادة بصفة العلم . لأننا ندرك بالوجدان أنّ إرادتنا متوسطة بين علمنا بالفعل والاتيان به ، لا نفس العلم .
وعلى هذا ، فإذا أردنا توصيفه تعالى بالإرادة - بعد تجريدها من النقائص - لا يمكننا تطبيقها على علمه تعالى ، لأن ماهية وحقيقة العلم غير ماهية الإرادة .
هامش
( 1 ) سورة يس : الآية 82 . المحاضرات ، ج 2 ، ص 38 .