تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
للاختيار التام ، بخلاف الثاني فالفاعل فيه فاعل مختار تام وفعله مجلى للاختيار . وهذا الحصر الحقيقي الذي يدور بين النفي والإثبات يجرّنا إلى القول بأنّ فاعليته سبحانه بأحد الوجوه الأربعة : إمّا أن يكون فاعلا فاقدا للعلم ، أو يكون عالما فاقدا للإرادة ، أو يكون عالما ومريدا ولكن عن كراهة لفعله لأجل إحاطة قدرة قاهرة عليه ، أو يكون عالما ومريدا راضيا بفعله . وفاعلية الباري سبحانه غير خارجة عن إحدى هذه الوجوه . والثلاثة الأول غير لائقة بساحته سبحانه فتعيّن كونه فاعلا مريدا مالكا لزمام فعله وعمله ، ولا يكون مقهورا في الإيجاد والخلق . هذا من جانب . ومن جانب آخر إنّ الإرادة في المراتب الإمكانية لا تنفك عن الحدوث والتدرّج والانقضاء بعد حصول المراد ، ومن المعلوم إنّ إجراءها بهذه السمات على اللّه سبحانه ، محال لاستلزامه طروء الحدوث على ذاته . فيجب علينا في إجرائها عليه سبحانه حذف هذه الشوائب ، فيكون المراد من إرادته حينئذ اختياره وعدم كونه مضطرا في فعله ومجبورا بقدرة قاهرة . فلو صح تسمية هذا الاختيار بالإرادة فنعم المراد ، وإلّا وجب القول بكونها من صفات الفعل . وبعبارة أخرى : إنّ الإرادة صفة كمال لا لأجل كونها حادثة طارئة منقضية بعد حدوث المراد ، وإنما هي صفة كمال لكونها رمز الاختيار وسمة عدم المقهوريّة حتى إن الفاعل المريد المكره له قسط من الاختيار ، حيث يختار أحد طرفي الفعل على الآخر تلو محاسبات عقلية فيرجح الفعل على الضرر المتوعد به . فإذا كان الهدف والغاية من توصيف الفاعل بالإرادة هو إثبات الاختيار وعدم المقهوريّة فتوصيفه سبحانه بكونه مختارا غير مقهور في سلطانه ، غير مجبور في إعمال قدرته ، كاف في جري الإرادة عليه ، لأنّ المختار واجد لكمال الإرادة على النحو الأتم والأكمل . وقد مرّ أنه يلزم في إجراء الصفات ترك المبادي والأخذ بجهة الكمال ، فكمال الإرادة ليس في