تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إظهار الحق — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
وقبل المسيحيون الجزية ما قتل أحدا ، ولا أكره على الإيمان ، وأعطاهم شروطا حسنة . وقد اعترف به مؤرخوهم ومفسروهم أيضا ، كما عرفت من كلام طامس نيوتن في الفصل الثالث من الباب الأول . وقد عرفت في الأمر الرابع من هذا المبحث من كلام المفسّر المذكور ما فعل المسيحيون في حق المسلمين واليهود إذ تسلطوا على إيلياء . والفرق بين الشريعة المحمدية والموسوية في مسألة الجهاد ، إن الشريعة المحمدية أن يدعى الكافر فيها أولا بالموعظة الحسنة إلى الإسلام بخلاف الشريعة الموسوية . وظاهر أنه لا قبح في هذه الدعوة . والامتناع ، بعد الإيمان ، عن القتل عين الإنصاف . في الآية الحادية عشر من الباب الثالث والثلاثين من كتاب حزقيال : « يقول الرب الإله لست أريد موت المنافق ، بل أن يتوب المنافق من طريقه » . والآية السابعة من الباب الخامس والخمسين من كتاب أشعياء هكذا : « فليترك المنافق طريقه ورجل السوء أفكاره ، وليرجع إلى الرب فيرحمه ، وإلى إلهنا لأنه كثير الغفران » . والثاني أنه كان حكم قتل النساء والصبيان إذا كانوا من الأمم السبعة في الشريعة الموسوية ، بخلاف الشريعة المحمدية . فإن هؤلاء يقتلون ، وإن كانوا من مشركي العرب . كما كانوا ألا يقتلون في الشريعة الموسوية أيضا إذا كانوا من غير الأقوام السبعة . فإذا تمهدت هذه الأمور الخمسة أقول لا شناعة في مسألة الجهاد الإسلامي نقلا وعقلا . أما نقلا فلما عرفته في الأمور المذكورة : وأما عقلا فلأنه قد ثبت بالبرهان الصحيح أن إصلاح القوة النظرية مقدم على إصلاح القوة العملية . فإصلاح العقائد مقدم على إصلاح الأعمال . وهذه مقدمة مسلمة عند كافة المليين . ولذلك لا تفيد الأعمال الصالحة بدون الإيمان عندهم . ولا يعاندنا المسيحيون أيضا في هذا الباب . لأن الأعمال الصالحة بدون الإيمان بالمسيح لا تنجي عندهم أيضا . وان الجواد الحليم المتواضع الكافر بعيسى عليه السلام أشرّ عندهم من البخيل الغضوب المتكبر المؤمن بعيسى عليه السلام . وكذا قد ثبت بالتجربة الصحيحة أن الإنسان قد يتنبه على خطئه وقبحه بتنبيه الغير . وكذا قد ثبت بالتجربة الصحيحة أن الإنسان لا يطيع الحق غالبا لأجل وجاهة قومه وشوكتهم ، ولا يصغي إلى قول رجل من صنف آخر ، بل يأنف من سماع كلامه ، سيما إذا كان هذا القول مخالفا لطبائع صنفه وأصولهم ، ويكون في قبوله لزوم المشقة في أداء العبادات البدنية والمالية ، بخلاف ما إذا انكسرت وجاهة قومه وشوكتهم ، فلا يأنف من الإصغاء . كذا قد ثبت بالتجربة أن العدو إذا رأى أن مخالفه مائل إلى الدعة والسكون يطمع في التسلط على مملكته . وهذا هو السبب الأغلبي في زوال الدول القديمة . وبعد تسلطه تحصل المضرة العظيمة للدين والديانة . ولذلك اضطر المسيحيون كافة إلى ما يخالف إنجيلهم المتداول ، فقال أهل ملة كاتلك أن الكنيسة الرومانية لها سلطان حقيقي على كل مسيحي بواسطة العماد ، لكون كل معتمد خاضعا للكنيسة الرومانية ومرءوسا منها ، وهي ملتزمة