تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إظهار الحق — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
اللذات الجسمانية فقط ، كما يقول علماء پروتستنت غلطا أو تغليطا للعوام ، بل يعتقدون بنص القرآن أن الجنّة تشتمل على اللذات الروحانية والجسمانية ، والأولى أفضل من الثانية ، ويحصل كلا النوعين للمؤمنين . قال اللّه في سورة التوبة : [ 72 ]
( وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )
. فقوله ورضوان من اللّه الآية ، معناه أن رضوانا من اللّه أكبر منزلة من كل ما سلف ذكره من الجنّات والأنهار والمساكن الطيبة . وهذا القول يدل على أن أفضل ما يعطي اللّه في الجنّة هي اللذات الروحانية ، وإن كان يعطي اللذّات الجسمانية أيضا . ولذلك قال ذلك هو الفوز العظيم ، لأن الإنسان مخلوق من جوهرين لطيف علوي وكثيف سفلي جسماني ، وانضم إليهما حصول سعادة وشقاوة . فإذا حصلت الخيرات الجسمانية وانضم إليها حصول السعادات الروحانية ، كان الروح فائزا بالسعادات اللائقة به ، والجسد واصلا إلى السعادات اللائقة به ، ولا شك أن ذلك هو الفوز العظيم . وإن قال علماء پروتستنت أن اجتماعهما أيضا في الجنّة قبيح في عقولنا ، أقول لهم : لا تضطربوا فإنه لا يحصل لكم إن شاء اللّه . وقد عرفت في الباب الأول أن الإنجيل عندنا عبارة عما أنزل على عيسى عليه السلام فقط فلو وجد في قول من الأقوال المسيحية ما يخالف ظاهره حكم القرآن ، فمع قطع النظر عن أنه مروي برواية الآحاد ، وعن أن مخالفة كتبهم المقدسة لا تضرّ القرآن ، كما عرفت في جواب الشّبهة الثانية ، أقول أن ذلك القول يكون مؤوّلا البتة . وكون أهل الجنة كالملائكة في زعمهم لا ينافي الأكل والشرب على حكم كتبهم . ألا يرون أن الملائكة الثلاثة الذين ظهروا لإبراهيم وأحضر لهم إبراهيم عليه السلام عجلا حنيذا وسمنا ولبنا أكلوا هذه الأشياء كما صرّح به في الباب الثامن عشر من سفر التكوين ؟ وأن الملكين اللذين جاء إلى لوط عليه السلام وصنع لهما وليمة وخبزا فطيرا أكلا ، كما صرّح به في الباب التاسع عشر من سفر التكوين ؟ والعجب أنهم لما اعترفوا بالحشر الجسماني ، فأي استبعاد في اللذات الجسمانية ؟ نعم لو كانوا منكرين للحشر مطلقا كمشركي العرب ، أو كانوا منكرين للحشر الجسماني ، ومعترفين بالحشر الروحاني ، كأتباع أرسطو ، لكان لاستبعادهم وجه بحسب الظاهر . وعندهم تجسد اللّه وما انفك عنه الأكل والشرب وسائر اللوازم الجسدانية ، باعتبار أنه إنسان . ولما لم يكن عيسى عليه السلام مرتاضا مثل يحيى في الاجتناب عن الأطعمة النفيسة وشرب الخمر كان المنكرون يطعنون عليه بأنه أكول وشريب ، كما هو مصرّح به في الباب الحادي عشر من إنجيل متّى . وعندنا هذا الطعن مردود لكنا نقول أنه لا شك أن عيسى عليه السلام ، باعتبار الجسميّة ، كان إنسانا فقط . فكما أن الأطعمة النفيسة وشرب الخمر ما كانا مانعين في حقه عليه السلام عن اللذات الروحانية مع كونه في هذه الدار الدنيا ،
إظهار الحق — صفحة 334 | رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي