عن البنّاء ، ولا كوجود الكتابة عن الكاتب ، الثابتة العين المستقلّة بذاتها ، المستغنية عن الكاتب بعد فراغه ، بل كوجود الكلام عن المتكلّم ، ان سكت بطل الكلام ، بل كوجود ضوء الشمس في الجو المظلم الذات ، ما دامت الشمس طالعة ، فان غابت الشمس بطل الضوء من الجو ، لكن شمس الوجود يمتنع عليه العدم لذاته .
وكما انّ الكلام ليس جزء المتكلم ، بل فعله وعمله ، بعد ما لم يكن ، وكذا النور الّذي في الجو ليس بجزء الشمس ، بل هو انبجاس وفيض منها ، فهكذا الحكم في وجود العالم عن الباري - جل ثناؤه - ، ليس بجزء من ذاته ، بل فضل وفيض يتفضّل به ويفيض . الّا انّ الشمس لم تقدر ان تمنع نورها وفيضها ، لأنّها مطبوعة على ذلك ، بخلافه سبحانه ، فانّه مختار في افعاله بنحو من الاختيار ، اجل وارفع ممّا يتصوره العوام ، واشدّ وأقوى من اختيار مثل المتكلم القادر على الكلام ، ان شاء تكلّم وان شاء سكت ، فهو سبحانه ان شاء أفاض جوده وفضله واظهر حكمته ، وان شاء امسك . ولو امسك طرفة عين عن الإفاضة والتوجه لتهافتت السّماوات ، وبادت الأفلاك ، وتساقطت الكواكب ، وعدمت الأركان ، وهلكت الخلائق ، ودثر العالم وفنى دفعة واحدة ، بلا زمان ، كما قال عز وجل :
« إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ . »
.