والابنية من البانين ، ونحو ذلك ، فليس على ما يظن ويتوهم من كونها فواعل ، لأنّها ليست أسبابا موجدة بالحقيقة ، لوجوب تقدم الموجد ، بالذات والحقيقة ، دون الزمان والحركة ، بل هي معدّات من جهة تسبّبها ؛ والمعطى للوجود في الكل هو اللّه تعالى ، كما أشار إليه بقوله سبحانه :
« أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ، أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ .
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ، أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ .
أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ، أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ . »
« 1 » .
فأشار سبحانه إلى أن ما يسمّونه فاعلا ليس الا مباشر الحركات ومحرك المواد ، وأمّا فاعل الصور فهو القيّوم سبحانه باستخدام بعض ملائكته المسخّرين له . والغلط فيما زعموه نشأ من جهة أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات .
أصل الشيء الواحد يمتنع ان يكون فاعلا وقابلا لأمر واحد فعلا وقبولا تجدد بين ؛ للتقابل البيّن بين القوة والفعل من جهة واحدة ؛ ولامتناع كون معطى الكمال قاصرا عنه ؛ ولأن الشيء لو كان مبدأ لثبوت صفة أو معنى لنفسه لدامت تلك الصفة أو ذلك المعنى له ،
ما دام ذاته موجودة ، ومتى كان كذلك لم يكن متغيّرا ، فمبدأ تغيّر الشيء لا بد وان يكون غيره لا محالة . وامّا الاتّصاف اللزومي فيجوز أن يكون المبدأ والقابل فيه واحدا ، وذلك كمبدئيّة الماهيات للوازمها وقبولها ايّاها .
أصل كل فاعل يفعل فعلا لغرض أو غاية فلا بد وان يكون حصول ذلك الغرض أو الغاية أولى له من لا حصوله ،
وان كان ذلك الغرض اكمال غيره أو نفى الفقر عنه
هامش
( 1 ) - س 56 ، ى 58 تا 71 .