تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأربعين في اصول الدين — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣

خاتمة في مناظرة النفس

اعلم أنا قد نبهناك وشوقناك ، فإن أعرضت عن الإصغاء أو أصغيت بظاهر قلبك ، كما تصغي إلى الكلام الرسمي ، فقد خبت وخسرت ، وما ظلمت إلا نفسك :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ، إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ، وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً
[ الكهف : 57 ] ، وإن أصغيت إصغاء ذي فطنة وبصر حديد ، وتفكرت تفكر من له قلب عتيد ، وقد ألقى السمع وهو شهيد ، فأخرج عن جميع ما يصدّك عن سلوك الصراط المستقيم ، وما يصدّ عنها إلا حب الدنيا والغفلة عن اللّه تعالى واليوم الآخر . واجتهد أن تفرغ قلبك كلّ يوم ساعة عقيب صلاة الصبح ، وذلك عند صفاء الذهن ؛ فتتفكر في شأنك وتنظر في مبدئك ومعادك ، وتحاسب نفسك ، وتقول لها : إني مسافر وتاجر ، وربحي سعادة الأبد ولقاء اللّه تعالى ، وخسراني شقاوة الأبد والحجاب عن اللّه تعالى ، ورأس مالي عمري . وكل نفس من الأنفاس كنز من الكنوز ، وجوهرة من الجواهر ، إذ تجارته به سعادة الأبد ، وأي كنز أعظم من هذا ! وإذا فني العمر انقطعت التجارة وحصل اليأس . وهذا اليوم يوم جديد قد أمهلني اللّه تعالى فيه ، ولو توفاني لكنت أشتهي أن يرجعني إلى الدنيا لأعمل صالحا ، فاحسبي يا نفسي أنك توفيت ورجعت إلى الدنيا يوما واحدا ، واجتهدي في هذا اليوم الواحد ، وانظري لنفسك ، فإن لم تمهلي للغد فقد استوفيت ربح هذا اليوم ولم تتحسّري ، وإن أمهلت فاستأنفي للغد مثل ذلك ولا تخدعي نفسك بتمني العفو ، فإن ذلك ظن قد يكذب ولا ينفع التحسّر . ثم هب أنه قد عفي عنك ، أليس قد فاتك ثواب المحسنين ؟ وناهيك به حسرة