تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأربعين في اصول الدين — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
فيها وأغسل رأسي وثوبي ، ومعي مطهرتي أحمل فيها شرابي ووضوئي ، فما كان بعد هذا من الدنيا فهو تبع لما معي . فقال : صدقت . وقال الحسن : أدركت سبعين من الأخيار ما لأحدهم إلا ثوبه ، وما وضع أحدهم بينه وبين الأرض ثوبا . وكان فراش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي ينام عليه وسادة من أدم حشوها ليف ، وعباءة خشنة . فهذه سيرة الزهّاد في الدنيا ، فمن حرم هذه الرتبة فلا أقل من أن يتحسّر على فواتها ، ويجتهد أن يكون قربه منهم أكثر من قربه من المتنعّمين في الدنيا .

[ فصل في ان الزهد على درجات ]

الزهد على درجات : إحداها : أن يزهد ونفسه مائلة إلى الدنيا ولكن يجاهدها ؛ وهذا متزهد ، وليس بزاهد ؛ ولكن بداية الزهد التزهد . الثانية : أن تفر نفسه عن الدنيا ولا تميل إليها ، لعلمه أن الجمع بينها وبين نعيم الآخرة غير ممكن ، فتسمح نفسه بتركها ، كما تسمح نفس من يبذل درهما ليشتري جوهرة ، وإن كان الدرهم محبوبا عنده ؛ وهذا زهد . الثالثة : أن لا تميل نفسه إلى الدنيا ولا تنفر عنها ، بل يكون وجودها وعدمها عنده بمثابة واحدة ، ويكون المال عنده كالماء ، وخزانة اللّه تعالى كالبحر ، فلا يلتفت قلبه إليه رغبة ونفورا ، وهذا هو الأكمل ؛ لأن الذي يبغض شيئا فهو مشغول به ، كالذي يحبه ؛ ولذلك ذمّ الدنيا عند رابعة العدوية ، فقالت : « لولا قدرها في قلوبكم ما ذممتموها » . وحمل إلى عائشة - رضي اللّه عنها - مائة ألف درهم فلم تنفر عنها ، ولكن فرقتها في يومها ، فقالت خادمتها : لو اشتريت بدرهم لحما تفطرين عليه ، فقالت : لو ذكرتني لفعلت . فهذا هو الغنى ، وهو أكمل من الزّهد ؛ ولكنه مظنّة غرور الحمقى ، إذ كل مغرور يستشعر في نفسه أن لا علاقة لقلبه مع الدنيا ؛ وعلامة ذلك ، أن لا يدرك الفرق بين أن يسرق جميع ماله أو يسرق مال غيره ، فما دام يدرك التفرقة فهو مشغول به .

فصل

كمال الزهد ، هو الزهد في الزهد ، بأن لا يعتدّ به ولا يراه منصبا ؛ فإن من ترك الدنيا وظن أنه ترك شيئا فقد عظّم الدنيا ، إذ الدنيا عند ذوي البصائر لا شيء ، وصاحبها كمن منعه عن دار الملك كلب على بابه ، فألقى إليه لقمة خبز وشغله بها ودخل دار الملك وجلس على سرير الملك ؛ فإن الشيطان كلب على باب اللّه تعالى ، والدنيا كلها أقل من لقمة بالإضافة إلى الملك ، إذ اللقمة لها نسبة إلى الملك إذ يفنى بأمثالها ، والآخرة لا يتصور أن تفنى بأمثالها الدنيا لأنها لا نهاية لها .