واعلم أن الفقير إن كان قانعا بما أعطي ، غير شديد الحرص على الطلب ، فدرجته قريب من درجة الزاهد . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « الفقراء الصبراء هم جلساء اللّه تبارك وتعالى » . وقال عليه السلام :
« أحب العباد إلى اللّه تعالى الفقير القانع » . وأوحى اللّه تعالى إلى إسماعيل - صلوات اللّه عليه وسلامه - اطلبني عند المنكسرة قلوبهم ، قال : ومن هم ؟ قال : الفقراء الصادقون .
وعلى الجملة ، إنما يعظم ثواب الفقير عند القناعة والصبر ، والرضى والصبر على الفقر مبدأ الزهد ، ولا تتم هذه المقامات إلا بالصبر فلنذكره :
الأصل الرابع في الصبر :
قال اللّه تعالى :
وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
[ الأنفال : 46 ] ، وجمع للصابرين بين أمور لم يجمعها لغيرهم ، فقال عزّ من قائل :
أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
[ البقرة : 157 ] . وقال تعالى :
وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ النحل : 96 ] . وقال تعالى :
وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا
[ السجدة : 24 ] . وقال تعالى :
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
[ الزمر : 10 ] . وذكر اللّه سبحانه في القرآن الصبر في نيف وسبعين موضعا . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « الصبر نصف الإيمان » ، وقال عليه السلام : « من أقلّ ما أوتيتم ، اليقين وعزيمة الصبر ، ومن أعطي حظّه منهما لم يبال بما فاته من قيام الليل وصيام النهار » . وقال عليه السلام : « الصبر كنز من كنوز الجنّة » . وسئل النبي - عليه السلام - مرة عن الإيمان فقال : « هو الصبر » . وقال عيسى - عليه السلام - : إنكم لا تدركون ما تحبون إلا بصبركم على ما تكرهون .
[ فصل في حقيقة الصبر ]
حقيقة الصبر ثبات باعث الدّين في مقابلة باعث الهوى ، وهو من خاصية الآدميّ الذي هو كالمركّب من شعب ملكيّة وبهيمية ، لأن البهيمة لم يسلّط عليها إلا دواعي الشهوة ، والملائكة لم يسلّط عليهم الشهوة بل جرّدوا للشوق إلى مطالعة جمال الحضرة الربوبية ، والابتهاج بدرجة القرب منها ، فهم يسبّحون الليل والنهار لا يفترون ؛ فليس فيهم داعية الشهوة . فلم يتصور الصبر لملك ولا بهيمة ، بل الإنسان سلّط عليه جندان يتطاردان ، أحدهما من حزب اللّه وملائكته ، وهو العقل وبواعثه ، والثاني من جنود