الأصل الثالث في الزهد :
قال اللّه تعالى :
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ، وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى
[ طه : 131 ] ، وقال :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها ، وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ
[ الشورى : 20 ] . وقال اللّه تعالى في حق قارون :
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ، قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ ، إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ، وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً
[ القصص :
79 ، 80 ] . فبيّن أن الزهد من ثمرات العلم . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من أصبح وهمّه الدّنيا شتّت اللّه عليه أمره ، وفرّق عليه ضيعته ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له . ومن أصبح وهمّه الآخرة ، جمع اللّه له همه ، وحفظ عليه ضيعته ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة » .
ولما سئل صلى اللّه عليه وسلم عن قوله تعالى :
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً
[ الأنعام : 125 ] ، وعن معنى الشرح ، قال عليه السلام : « إن النور إذا دخل القلب انشرح الصدر وانفسح ، قيل : وهل لذلك من علامة ؟ قال : نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله » . وقال عليه السلام : « استحيوا من اللّه حق الحياء » . وقيل إنا نستحي ، قال عليه السلام : « تبنون ما لا تسكنون ، وتجمعون ما لا تأكلون » . وقال عليه السلام : « من زهد في الدنيا أدخل اللّه الحكمة قلبه ، وأنطق بها لسانه ، وعرّفه داء الدنيا ودواءها ، وأخرجه منها سالما إلى دار السلام » . وقال عليه السلام : « لا يستكمل العبد حقيقة الإيمان حتى يكون أن لا يعرف أحب إليه من أن يعرف ، وحتى يكون قلة الشيء أحب إليه من كثرته » . وقال عليه السلام : « إذا أراد اللّه بعبد خيرا ، زهّده في الدنيا ، ورغّبه في الآخرة ، وبصّره بعيوب نفسه » وقال عليه السلام : « ازهد في الدنيا يحبك اللّه تعالى ، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس » . وقال عليه السلام : « من أراد أن يؤتيه اللّه علما بغير تعلم وهدى بغير هداية فليزهد في الدنيا » .
[ فصل في ان للزهد في الدنيا حقيقة وأصل وثمرة ]
للزهد في الدنيا حقيقة وأصل وثمرة ؛ أما حقيقته فهو عزوف النفس عن الدنيا