فصل
الزهد باعتبار الباعث عليه على ثلاث درجات : إحداها : أن يكون باعثه الخوف من النار وهذا زهد الخائفين . الثانية : وهي أعلى منه أن يكون باعثه الرغبة في نعيم الآخرة ، وهذا زهد الراجين . والعبادة على الرجاء أفضل منها على الخوف ، لأن الرجاء يقتضي المحبة . الثالثة : وهي أعلاها ، أن يكون الباعث عليه الترفع عن الالتفات إلى ما سوى الحق ، تنزيها للنفس عنه ، واستحقارا لما سوى اللّه ؛ وهذا زهد العارفين ، وهو الزهد المحقق ، وما قبله معاملة ، إذ ينزل صاحبها عن شيء عاجلا ليعتاض عنه أضعافه آجلا .
فصل
الزهد باعتبار ما فيه من الزهد على درجات ، وكماله الزهد في كلّ ما سوى اللّه تعالى في الدنيا والآخرة ، ودونه الزهد في الدنيا خاصة دون الآخرة . ثم يدخل فيه كل ما فيه حظ وتمتع في الدنيا ، من مال وجاه وتنعم . ودون ذلك أن يزهد في المال دون الجاه ، أو في بعض الأشياء دون البعض ، وذلك ضعيف ، لأن الجاه ألذّ وأشهى من المال ، فالزهد فيه أهمّ .
فصل
الزهد أن تنزوي عن الدنيا طوعا مع القدرة عليها ، أما إن انزوت الدنيا عنك وأنت راغب فيها ، فذلك فقر وليس بزهد . ولكن للفقر أيضا فضل على الغنى ، لأنه منع عن التمتع بالدنيا ، وهذا هو أفضل ممن مكّن من الدنيا والتمتع بها حتى ألفها واطمأن إليها ، ولم يتجاف قلبه عنها ، فيعظم الألم والحسرة عند الموت ، وتكون الدنيا كأنها جنة الغنيّ ، وتكون كأنها سجن الفقير ، إذ يشتهي الخلاص من آلامها . والفقر من أسباب السعادة ؛ قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه تعالى يحمي عبده عن الدنيا وهو يحبه ، كما يحمي أحدكم مريضه عن الطعام والشّراب » ، وقال عليه السلام : « يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائها بخمسمائة عام » ، وقال عليه السلام : « خير هذه الأمة فقراؤها » ، وقال عليه السلام : « إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصّالحين ، وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب عجّلت عقوبته » ، وقال موسى - عليه السلام - : يا رب من أحباؤك من خلقك حتى أحبهم لأجلك ؟ فقال : كل فقير .