قال : « أعيدوا الشراك الخلق ، فإني نظرت إليه في الصلاة » . وكان عليه السلام قد احتذى نعلين جديدين ، فأعجبه حسنهما فخرّ ساجدا ، فقال عليه السلام : « أعجبني حسنهما فتواضعت لربي خشية أن يمقتني » ، ثم خرج بهما فدفعهما إلى أول مسكين رآه . وقد عدّ على قميص عمر - رضي اللّه عنه - اثنتا عشرة رقعة بعضها من أدم . واشترى علي - رضوان اللّه عليه - في خلافته ثوبا بثلاثة دراهم ، وقطع كميه من الرّسغين ، وقال : الحمد للّه الذي هذا من رياشه . وقال بعضهم : قوّمت ثوب سفيان ونعله بدرهم ودانقين . وقال علي - رضوان اللّه عليه - : إن اللّه عز وجل أخذ على أئمة الهدى أن يكونوا في مثل أدنى أحوال الناس ، ليقتدي بهم الغني ولا يزري بالفقير فقره .
وأما المسكن ، فأدناه أن تقنع بزاوية في مسجد أو رباط ، كأهل الصّفّة ، وأعلاه أن يطلب لنفسه موضعا خاصّا وهي حجرة إما بشراء أو إجارة ، بشرط أن لا يزيد سعته على قدر الحاجة . ولا يرفع بناؤه ، ولا يهتم بتجصيصه ، وفي الأثر : أن من يرفع بناءه فوق ستة أذرع ناداه مناد إلى أين يا أفسق الفاسقين ؟ ومات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يضع لبنة على لبنة ، ولا قصبة على قصبة . وقال عبد اللّه بن عمر - رضي اللّه عنهما - : مرّ بنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونحن نعالج خصّا « 1 » فقال : إن الأمر أعجل من ذلك . واتخذ نوح - عليه السلام - بيتا من خص ، فقيل له : لو شئت لاتخذته من الطين ، فقال : هذا كثير لمن يموت . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من بنى فوق ما يكفيه كلّف أن يحمله يوم القيامة » ، وقال عليه السلام : « كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما أكنّ « 2 » من حرّ وبرد » .
وأما أثاث البيت ففيه أيضا درجات ، وأدناها حال عيسى ابن مريم - عليه السلام - إذ لم يكن معه إلا مشط وكوز ، فرأى إنسانا يمشط بأصابعه فرمى المشط ، ورأى آخر يشرب بيده ، فرمى الكوز . وأوسطه ، أن يستعمل الجنس الخشن واحدا في كلّ غرض ، ويجتهد أن يستعمل واحدا في أغراض . وقال عمر - رضي اللّه عنه - لعمير بن سعيد - وهو أمير حمص - : ما معك من الدنيا ؟ فقال : معي عصاي أتوكأ عليها ، وأقتل بها حية إن لقيتها ، ومعي جرابي أحمل فيها طعامي ، ومعي قصعتي آكل
هامش
( 1 ) الخص بالضم البيت من القصب .
( 2 ) أكن : ستر أو حمى .