تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأربعين في أصول الدين — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
بالشيء إذا خاض فيه كان ضعيف القلب ، ولا شك أن أجل العلوم وأعظمها هو العلم بالله تعالى . فالنفس إذا تحلت بهذه المعرفة قويت ، واشتدت ، فلا يضرها خراب البدن . ولذلك فان العارفين إذا تخلوا في « 3 » أنورا جلال الله تعالى لم يلتفتوا إلى شيء ، ولم يقيموا لشيء وزنا . إذا عرفت هذا ، فالنفوس العالمة تكون قوية ، فلا تفنى بموت البدن ، والنفوس الجاهلة تكون ضعيفة ، فلا جرم نموت بموت البدن . * * * فهذا تفصيل مذاهب الناس في المعاد الروحاني . أما الأولون - وهم القائلون بأن النفوس الناطقة كلها باقية بعد موت الأبدان - فهؤلاء أيضا طوائف : الطائفة الأولى : الذين يقولون : النفوس الناطقة مدركة للجزئيات واحتجوا عليه بأنه يمكننا أن نحكم بأن هذا الشخص هو انسان فهذه قضية موضوعها شخص معين - وهو جزئي - ومحمولها هو الانسان - وهو كلى - والتصديق مسبوق بالتصور . فصاحب هذا التصديق عنده ادراك المحمول الّذي هو الكلى ، وادراك الموضوع الّذي هو الشخص . لكن مدرك هذا الكلى هو النفس . فمدرك هذا الجزء أيضا هو النفس . فثبت أن النفس مدركة للجزئيات . إذا ثبت هذا فنقول : النفس لها صفتان : الادراك والفعل . والادراك قسمان : ادراك الجزئيات ، وادراك الكليات . فالنفس هي الموصوفة بهذين القسمين من الادراك وبهذا الفعل الّذي هو التحريك . فإذا مات البدن وزال الحجاب الجسماني ، تجلت عليها أنوار عالم الجلال ، فازداد ادراكها وفعلها ، وانتهت في ذلك إلى حد الكمال ، وقربت درجتها من درجة الملائكة - الذين هم أرواح عالم السماوات - وذلك هو الغبطة الكبرى ، والدرجة العظمى .
هامش
( 3 ) إذا تجلى في أرواحهم : ب
الأربعين في أصول الدين — صفحة 69 | فخر الدين الرازي