وانما قلنا : انه يمتنع كونها متعددة في الأزل ، لأن ذلك التعدد لا بدّ فيه من مميز ، وذلك المميز اما أن يكون ذاتيا أو عرضيا .
لا جائز أن يكون ذاتيا . لأن النفوس البشرية متحدة بالنوع . ولا جائز أن يكون عرضيا ، لأن الامتياز بالصفات العرضية تابع لاختلاف المواد .
ومادة النفس هي البدن . فقبل التعلق بالأبدان ليس لها شيء من المواد ، فامتنع اختلافها بسبب الصفات العرضية . فثبت : أن النفوس البشرية لو كانت أزلية ، لكانت في الأزل اما واحدة أو متعددة .
والقسمان باطلان ، فبطل القول بكونها أزلية .
والوجه الثاني : ان نفسي عبارة عن ذاتي المخصوصة ، التي أشير إليها بقولي : « أنا » فلو كانت النفس القديمة ، لكنت أنا من حيث أنا ، أزليا قديما . وإذ كان الأمر كذلك ، لوجب أن أتذكر شيئا من تلك الأحوال الماضية . فان من المحال أن يمارس الانسان سنين « 2 » حرفة من الحرف ، ثم إنه ينساها بالكلية ، ولا يتذكر شيئا من تلك الأحوال البتة . ولما لم يحصل عندنا تذكر شيء من تلك الأحوال الماضية ، علمنا : أن القول بكون النفوس أزلية باطل . فثبت بما ذكرنا : أن النفوس ليست أزلية .
إذا ثبت هذا ، فنقول : وجب أن لا تكون أبدية . ويدل عليه وجهان : الأول : ان سبب حدوث النفس عن العلل الفلكية العالية ليس الا حدوث الأبدان المستعدة لقبولها ، لمن دورات الفلك لا أول لها ، فحدوث الأبدان لا أول له ، فحدوث النفوس لا أول له . فلو كانت النفوس باقية ، لزم أن يكون قد حصل الآن نفوس غير متناهية . وذلك
هامش
( 2 ) سبعين سنة : ب