الصادر عنه إلى الصنم ، وانما قصد تقريره لنفسه على أسلوب تعريضى به . وهذا كما لو قال صاحبك - وقد كنت كتبت كتابا بخط حسن ، وأنت مشهور بحسن الخط - أنت كتبت هذا وصاحبك أمي لا يحسن الخط ، ولا يقدر الا على حروف خربشة فاسدة . فقلت له : بل كتبته أنت . وكان قصدك بهذا الجواب : تقريره لك مع الاستهزاء به ، لا نفيه عنك واثباته للأمى ، لأن اثباته والأمر دائر بينهما للعجز ، استهزاء به واثبات للقادر .
وثانيها : ان إبراهيم عليه السلام غاظته تلك الأصنام ، حين أبصرها مزينة . وكان غيظه من كبيرها أشد ، لما رأى من زيادة تعظيمهم له ، فأسند الفعل إليه ، لأنه هو السبب في استهانته بها ، وحطمه لها . والفعل كما يسند إلى المباشر ، فقد يسند إلى السبب الحامل عليه .
وثالثها : يجوز أن يكون فيه وقف عند قوله :
« بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ »
[ الأنبياء 63 ] ثم يبتدئ فيقول :
« فَسْئَلُوهُمْ »
والمعنى : بل
« فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ »
وعنى به نفسه . لأن الانسان أكبر من كل صنم .
الشبهة الثالثة : قوله تعالى :
« فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ . فَقالَ : إِنِّي سَقِيمٌ »
[ الصافات 88 - 89 ] والتمسك بها من وجهين :
الأول : ان النظر في علم النجوم حرام .
الثاني : ان قوله
« إِنِّي سَقِيمٌ »
: كذب .
والجواب عن الأول : لا نسلم أن النظر في علم النجوم حرام مطلقا ، بل من نظر فيها ليستدل بها على توحيد الله تعالى ، كان ذلك أعظم الطاعات . ولهذا السبب استحق إبراهيم عليه السلام المدح بالنظر في النجوم . وهو قوله :
« فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً »
[ الأنعام 76 ] .