تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
5 - إنّ ما صدر من التوبيخ بقوله تعالى :
وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى
لا يناسب عمومية رسالته وكونه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مبعوثا للتزكية والأخلاق الفاضلة ، وقد انحصرت مهمّته بتزكية الناس وتعليمهم مكارم الأخلاق ، قال صلوات اللّه تعالى عليه وآله : « إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق » . وهل من المكارم أن يعبس في وجه مؤمن فقير ؟ ! وهل العبوس من التزكية الإلهية لنبيّه الكريم ؟ ! ألم يقل اللّه تعالى :
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
« 1 » . 6 - إنّ المرويات الدالة على عبوسه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أخبار آحاد لم ترو في مصادر الشيعة ، ومعلوم عند عامة فقهاء الشيعة أنهم لا يعوّلون على الخبر الواحد في باب الاعتقادات . . هذا مضافا إلى أنّ هذه الأخبار تصادم حكم العقل باستحالة صدور القبيح عن الأنبياء والأولياء عليهم السلام ولا سيّما في التبليغ . فصدور الخطأ منه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في مورد القصّة يعدّ خطأ في التبليغ ، وقد أجمعت الأمة على خلافه سوى بعض الأشاعرة ، فالتمسّك بقصّة لم يثبت صحّتها مع مخالفتها لما ذكرنا لا يكون دليلا على المدّعى ، هذا مضافا لمخالفتها قوله تعالى في سورة الشعراء :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
« 2 » التي نزلت في بدء الدعوة النبوية العام الثالث من البعثة ، ونزلت قبل سورة عبس بسنتين ؛ فعلى هذا كيف يتصوّر عاقل العبوس منه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والإعراض عن المؤمنين ومخالفة أوامر اللّه التي حثّته على احترام المؤمنين وخفض الجناح لهم ، فهل نسي النبيّ أوامر ربه وأنه مأمور بخفض الجناح لمن اتّبعه ؟ ! وإذا كان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد نسي ذلك فما الذي يؤمننا من أن لا يكون قد نسي غير ذلك أيضا ؟ ! وإذا لم يكن قد نسي ، فلما ذا تعمّد أن يعصي هذا الأمر الصريح ؟ ! . 7 - إنّ أيّ خبر إذا صادم الظاهر القرآني ( كموردنا هذا ) يطرح في حال لم
هامش
( 1 ) سورة الجمعة : 2 « مدنيّة » . ( 2 ) سورة الشعراء : 214 - 215 « مكيّة » .
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد — صفحة 184 | مقاتل ابن عطية