تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
التي تنعكس عليها أشعة الحق سواء أكان ذلك قبل البعثة أم بعدها ، لقد نفى عزّ وجلّ عن نبيّه الرحيم الجفاء عن لسانه والقسوة عن قلبه لا سيّما عن المؤمنين الأتقياء المبصرين فكيف بابن أم مكتوم حيث حرم من نعمة البصر ، فإن الأولى أن يقف النبيّ منه موقف اللين والشفقة والرحمة بحيث لا يساويه بأحد من المبصرين رأفة به وتطييبا لخاطره . قال الشيخ الطبرسي عليه الرحمة : « وفي هذه الآية دلالة على اختصاص نبيّنا بمكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال ، ومن عجيب أمره صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه كان أجمع الناس لدواعي الترفع ثم كان أدناهم إلى التواضع وذلك أنه كان أوسط الناس نسبا وأوفرهم حسبا وأسخاهم وأشجعهم وأزكاهم وأفصحهم ، وهذه كلها من دواعي الترفع ، ثم كان من تواضعه أنه كان يرقع الثوب ويخصف النعل ويركب الحمار ويعلف الناضح ويجيب دعوة المملوك ويجلس في الأرض ويأكل عليها ، وكان يدعو إلى اللّه من غير زئر ولا كهر ولا زجر ، ولقد أحسن من مدحه في قوله :
فما حملت من ناقة فوق ظهرها * أبرّ وأوفى ذمّة من محمّد
وفي الآية دلالة على ما نقوله في اللطف لأنه سبحانه نبّه على أنه لولا رحمته لم يقع اللين والتواضع ، ولو لم يكن كذلك لما أجابوه ، فبيّن أن الأمور المنفرة منفية عنه وعن سائر الأنبياء ومن يجري مجراهم في أنه حجة على الخلق . . » « 1 » . والتعبير ب « ولو كنت فظا » لدلالة قطعية على عدم اتصافه بما لصقه القوم به حيث تفيد الجملة المذكورة التعليق على الشرط المستحيل تحققه في شخصية من جعله اللّه رحمة للعالمين ، كما أن ضمير « كنت » لإشارة واضحة إلى ما ذكرنا فتأمّل .
هامش
( 1 ) تفسير مجمع البيان ج 2 / 329 ط / دار الكتب العلمية .