العقل نائب الشرع يقرر له القواعد من إثبات الصانع وتوحيده « 1 » ، الذي وافقنا عليه النصارى لفظا لا معنى « 2 » ، وحدوث العالم وجواز إرسال الرسل والدليل على صدقهم ، وهو المعجز الذي به تثبت النبوة « 3 » . فإذا ثبتت ثبت الشرع ، ووجب قبول ما جاء به . ثم إن كان مما يدركه العقل فلله الحمد . وإن كان مما لا
هامش
( 1 ) لا تستقل العقول بمعرفة الله على التفصيل لأنها عاجزة وقاصرة عن إدراك ما هو أقرب ، فهي عاجزة عن إدراك أنفسها وكيفية عملها . . وعليه فإنه لا بد من مصدر آخر ليعرف العقل به الله سبحانه ، فاقتضت رحمته عز وجل أن بعث الرسل به معرفين وإليه داعين . . . فكان ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب دالا للعقول السليمة إلى معرفة الله وكيفية عبادته ، ونصوص الشرع مملوءة بالبراهين والأدلة على إثبات الصانع وقدرته ،وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً( سورة الفرقان : 33 ) والعقل السليم يشهد بصحة ذلك ، غير أنه إذا لم يرد في الشريعة شيء مما للعقل فيه مجال فإنه يرجع إليه في معرفته ، وليس في أصول الدين - الاعتقاد والأحكام - ما يستقل العقل بإثباته دون النص والحمد لله ، وقول الطوفي - رحمه الله - : " العقل نائب الشرع . . . " أي فيما لم يرد فيه نص من مسائل الفروع . قلت : ومثاله غير مقبول . والله أعلم .
( 2 ) النصارى يقولون : إن خالق العالم واحد ، لكنهم يقولون : باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد . وهذا القول متناقض في نفسه ، وقولهم في الحلول والاتحاد أفسد منه ، فلهذا كانوا موافقين لنا في إثبات الصانع لفظا لا معنى ، وهم مضطربون في فهم مذهبهم والتعبير عنه ، بل لا يكاد أحد منهم يعبر عنه بمعنى معقول ، ولا يكاد اثنان يتفقان على معنى واحد . ولهذا لم يقبل مذهبهم هذا عقل ولا فطرة .
( انظر شرح العقيدة الطحاوية ص 78 ) .
( 3 ) في ش : ثبتت . قلت : الله سبحانه أرسل الرسل وصدقهم ، فهو لكمال عدله ورحمته وإحسانه وإقامة الحجة على عباده ، لم يبعث نبينا إلا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به قال تعالى :لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ( الحديد 25 ) ولا تثبت النبوة بالمعجزات وحدها .