خروج من موضع الشبهة
لقد سلك العلماء وطوى المحقّقون طرقاً شتّى لمعالجة شبهة الجبر والتخلّص من هذا الإشكال العويص « 1 » ، ونحن يمكننا هنا اللجوء إلى اتجاه آخر في البحث هو إخراج الآية من مورد الشبهة أصلًا ، وهو ما يغنينا عن ولوج مسألة الجبر وتخريجاتها ، وبشيء من التدقيق في مفاد الآية الشريفة نرى أن لا وجود للشبهة حتّى نبحث عن مخرج لها !
هامش
( 1 ) نشير باختصار إلى بعض الردود والحلول التي يطرحها علماؤنا لهذه الشبهة : منها : أنّ اللَّه اطّلع في علمه فرأى عبادتهم وخلوصهم وكمالهم ، ووقف بعلمه على ما سيبلغونه من مراتب القرب فخلع عليهم العصمة ، فهي إذن عن جدارة واستحقاق ، ولمقابل قاموا بأدائه ( في علم اللَّه ) . ومنها : أنّ الأمر منوط الظرف والوعاء ، من حيث إنّ مبدأ الحقّ فيّاض والخير متدفّق منه غير منقطع ، وإنّما يغترف كلٌّ على قدر إنائه ووعائه ، وما يحصّلون عليه من عصمة وعلم وكرامة و . . . إنّما اغترفوه من بحر جود الباري عزّ وجلّ ، واستحوذوا عليه لسموّهم وعلوّ هممهم ولم يكن الخالق ليبخل على أحد ، فقد وهب اللَّه العصمة للجميع ولكن من تلقاها هم الأئمّة والأنبياء عليهم السلام فقط ، إذن هو نتيجة سعي ووفق أساس لا يخدش العدالة الإلهية ولا يناله الجبر . ومن الآراء في هذا الباب ، أنّهم صلوات اللَّه عليهم كانوا قبل قانون العمل والمجازاة ، حيث كانوا ولم يكن شيء ، وقد تواترت الروايات في هذا المعنى ( من قبيل ما جاء في الزيارة الرجبية والزيارة الجامعة الكبيرة ) ، وما قام عليه الدليل الفلسفي من أنّهم العقل والفيض الأوّل حيث الفضل للمقام لا العمل ، فكمالات العصمة والعلم والولاية من مستلزمات ذلك المقام ومقتضياته ، فهم التجلّي التام للَّه ولا بدّ للمرآة التي يتجلّى اللَّه فيها أن تكون صفاءً تامّاً وطهراً كاملًا خالية من أيّ كدر للمعصية ، وإلّا لفقدت صلاحيتها كمجال للتجلّي الإلهي ، وهناك وجوه ومعالجات أخرى .