فسلمت من بينهم وحدها ، لانّها وأباها كانا فيما يقال ، والله اعلم ، مؤمنين يوحّدان الله جل جلاله ، فانصرت راجعة إلى أبيها على ناقة من نوقهم ، فقالوا لها : ما قبلك « 1 » ؟ فقالت :
هلك عاد إلى يوم المعاد ، وضربت البلاد ، فمالها من سداد ، ولا سباد ولالباد « 2 » . فلما سمعوا ، ذلك منها ؟ تنادوا بالعويل « 3 » ، وعّجوا بالصياح ، ثم ساروا حتى انتهوا إلى ارضهم ، فهبّت عليهم عند وصولهم ريح باردة صرة « 4 » ، لو سلّطت على أهل الأرض لماتوا في ساعة من نهار لشدّة بردها ، فهلكوا من ساعتهم ، ومضى مرثد بن سعد بن عصر « 5 » ولقمان بن هزال ، وهما اللذان كانا من الوفد مؤمنين ، حتى لحقا بهود ومن آمن معه ، وكانوا معتزلين بناحية من حضرموت ، فاخبراهم بما تقدّما فيه من الدعاء عند البيت ، وبما أصاب قيل الملك وأصحابه من شدة الريح الباردة عند موافاتهم بلادهم ، حتّى هلكوا . فلما سمع الذين آمنوا معه ذلك ازدادوا ايمانا ويقينا . وتوفّى هود بحضرموت ، الّا لقمان بن هزال ، عّمر سبعة انسر كما سأل الله . وكان يصطاد الفراخ من النسور « 6 » ويعمد للذكور منها لقّوتها وما يرجو من طول اعمارها ، فيربيها ، وتكون عنده ، حتّى تأتى عليه السنون مدة عمره ، فيصطاد لقمان فرخا آخر ، فيفعل به مثل ذلك ، حتى يموت ، فكان آخرها النسر الذي يسّمى « لبد » عاش عمر لقمان فمات لقمان ولبد في يوم واحد . فقال شاعر من شعرائهم :
أنت الذي الهيت قيلا بكيده * ولقمان إذ خيرت لقمان في العمر
لذا « 7 » البيت إذ يختار سبعة انسر * إذا ما انقضى نسر تشنّف إلى النسر
فاخلف ما قد كان يرجو خلوده * سفاها وهل يبقى النسور على الدهر
وقال للقمان إذا حّل ريشه هلكت * وأهلكت ابن عاد وما تدرى
وقال رجل يسمى أسد بن ناعط « 8 » من قوم عاد الذين آمنوا بهود ، حيث يقول هذه الأبيات :
هامش
( 1 ) . تاريخ : اقبلك
( 2 ) . النهاية : مناد ، تاريخ : سياد ولا بلاد
( 3 ) . تاريخ : بالويل
( 4 ) . النهاية : صبرة
( 5 ) . غضير ، تاريخ : عقر
( 6 ) . النهاية : افراخ النسور
( 7 ) . يبدو الصحيح : لدى
( 8 ) . تاريخ : باعظة