فنودي ان قد أجيبت دعوتكما : ثم انصرفا . واقبل الملك قيل في أصحابه وبقيه الوفد ، ولم يعلم انّ أحدا تقدّمه ، فوقف على موضع الكعبة وأنشأ يقول :
يا رب قد جيناك مستقينا * فقد منينا بالّذى دهينا
من شدة الاقحاط والسّغوب * فما لنا في الأرض من ضريب
كيما بلينا عند امساك المعطر « 1 » * من شدة الحال فما « 2 » ان مفر « 3 »
الّا إليك فاسقنا الغياثا * حتى يعمّ الحزن والدماثا
فقد هلكنا يا اله الناس * وغاب عنا دونك الاواسى
ومالنا غيرك من معاذ * ولا مفرّ لا ولا ملاذ
فبدت لهم ثلاث سحابات بيضاء وسوداء وحمراء ؛ ونودوا : ان اختاروا ايّتهنّ شئتم .
فقالوا : اخترنا السّوادء ؛ فانا نخالها أكثر غيثا : فنودوا : اخترتم رمادا مددا ، لا يبقى منكم اوالدا ، الّا ترككم همدا ، دون النبي الرشيد المهتدي . فتفرقت السحابتان البيضاء والحمراء ، ومضت السحابة السوداء نحو اليمن ، فوافت من ساعتها . وانصرف الملك قيل وأصحابه إلى رجل « 4 » معاوية بن بكر ، فأقاموا عنده ، وعادوا إلى ما كانوا عليه من اللهو والشرب ، واجتنبهم مرثد ولقمان فلم يقرباهم خوفا من الملك قيل إن يجتاحهما وذريتهما ، فلما وافت السحابة السواداء ارض اليمن تباشروا ؛ وقالوا : قد أتانا الغيث . وكان أول من نظر إلى ما في تلك السحابة من العذاب امرأة منهم ؛ تسمى : نهدا « 5 » . فان بصرها فتح لها ، فرأت وسط السّحابة كلهيب النار ، فصفقت بيديها ؛ وهي اوّل من ابتدعت التصفيق « 6 » عند المصائب ، ونادت يا آل « 7 » عاد ، فاجتمع إليها منهم جمع عظيم ؛ وقالوا : ما دهاك وبلاك قالت : يا ويلكم ، عليكم بهود ؛ فقد اتاكم العذاب ، ا لا ترون ما في هذه السحابة . قالوا : ما نرى شيئا فما ترين أنت قالت شعر « 8 » :
هامش
( 1 ) . يبدو الصحيح : المطر
( 2 ) . تاريخ الأصمعي : الحبرة فما من ذا
( 3 ) . يبدو الصحيح : فما لنا من مفرّ
( 4 ) . الصحيح : رحل
( 5 ) . تاريخ : بهرا
( 6 ) . النهاية وتاريخ : التصفق
( 7 ) . ص وتاريخ : بآل
( 8 ) . الصحيح : شعرا