إلى أصحابه فيمن كان معه من قومه ، فقيل له : الحمد لله الذي سلمك . فقال : نعم ، والحمد لله . فلطالما أولانا من السلامة في أمثالها . وهل أحد يكافى ربّه واحدة من نعمة عليه . ثم نادى يا معشر العرب احملوا معي فداكم أبى وامّى . ثم حمل وحمل معه النّاس وصدقوهم العجم ، وقارعوهم اشّد قراع . فكان للعرب جولة ، وثبت بعضهم يقاتلون .
فقبض المثنى على لحيته ، وجعل يتأسفّ ، ثم قال : اللهم كن لنا وليّا وناصرا . ثمّ نادى في المنهزمين ايّها الناس : انى انا المثنى بن حارثة . فرجع اليه النّاس . فقال لا عليكم رحمكم الله ، فان الابطال ربّما انكشفوا . اعطفوا واحملوا أيضا معي . ثمّ حمل ، ومعه مسعود بن حارثة . فكان مسعود اوّل قتيل . ونادى المثنى يا معشر العرب ، هكذا ارفعوا راياتكم رفعها اللّه اللّهم ارفعها ولا تضعها ، اللّهم اعزّها ولا تذلها . ايّها الناس انّى قد قاتلت هؤلاء العجم في الجاهلية ، فلم ارلهم مصدوقة عنا ، سلاحهم قسيّهم . فإذا أفنوا سهامهم ، صاروا كالغنم اىّ وجه توجّه راعيها ، توجهت . فلا يهولنّكم شدة قتالهم ، فإنهم سينكلون سريعا . فاصبروا لهم ساعة واحدة . ثمّ نادى بن حاتم بقومه وكانوا معه في الميمنة ، وقال : اقبلوا معي فداكم أبى وأمي ، وأبشروا بالنصرة . ثمّ نادى جرير بن عبد الله في قومه : يا قوم : انّ لكم في الاسلام سابقة ، وفيه لأولكم « 1 » في هذه البلاد ان فتحها الله عليكم حظ ليس لأحد مثله ، فلا يكون قتيلهم احرص منكم على النفس في الضرب والطعن ! ايّها الناس ، قاتلوا ، والتمسوا احدى الخصلتين : اما الشهادة وعظيم ثوابها وامّا الغنيمة وعظيم خطرها . ثمّ تنادى المسلمون ، فدعا بعضهم بعضا ، وانتاب من انصرف منهم حتى وقفوا مواقفهم . ونظر المثنى إلى رجل من العرب ، وقد برز من الصفوف متقدّما نحو العجم ، شاهرا سيفه ، واضعا على عاتقه . فركض اليه المثنى حتّى لحقه ، وقال له : إلى اين يرحمك الله ! وما تريد ان تصنع ؟ قال الرجل : انى هربت يوم الناطف ، وانا مع أبى عبيدة من الزحف فيمن هرب ، وانا أريد ان استقل القوم ، ليكون ذلك ثوبة . قال له المثنى : إذا لا تضّر بذلك عدوك ولا تنفع وليّك ، ولكن ادلّك يا حبيبي على ما هو أفضل لك من ذلك . قال له : وما هو ؟ قال تقف في موقفك ، وتحمل إذا حمل أصحابك ، وتمسك إذا امسكوا ، فتواسى اخوانك بنفسك ، وتنكى في عدوك ، وتقاتل ومعك ومن ينصرك وتنصره ، فتنفع في الاسلام ، وتنكى في الكفر . ثم اقبل به حتى ردّه إلى موقفه في الصف . ثم تنادى قبائل العرب : الحملة الحملة ! فحملوا ، وحمل عليهم العجم من كل ناحية . فتطاعنوا بالرماح ، وتضاربوا بالسيوف ، واقتتلوا قتالا شديدا ، حتى اختضبت الفرسان بالدماء ، وكثرت بينهم القتلى
و
هامش
( 1 ) . الدينوري 20 : فان لكم