حديث الفرس والروم وما كان بينهم من الوقائع
ثم إن كسرى ندب من ابطال جنوده ، واشدّ اساورته ستة وثلاثين الف فارس ، فقوّاهم بالأموال والسلاح ، وعقد لهم مع ثلاثة قوّاد ، كل قائد منهم في اثنى عشر الف فارس وامرهم بالسير إلى الروم . فتوجه أحد القوّاد يسمى شهرانزاد ، والثاني شهربنداد ، والثالث شاهين ، يؤمهم حتى وغل في بلاد الشام ، وكانت إذ ذاك في أيدي الروم . فشّن الغارة وعثا فسادا ، إلى أن انتهى إلى بيت المقدس ، فأخذوا القسيسين والرهبان بخشبة الصليب العظمى التي تزعم النصارى ان عيسى بن مريم صلب عليها . وقد كانت وضعت في تابوت ذهب في بستان وزرع فوقها رياحين . فقتلوا من الرهبان رجلا ، فلما رأوا قتلهم ايّاه ، دلّوه على الخشبة ، فاستخرجها ، ووجه بها إلى كسرى . وسار القائد الآخر وهو شاهين ، حتّى وغل في بلاد الروم ، وانتهى إلى الخليج الذي بالقرب من مدينة القسطنطنيه ، ووجّه سراياه في جميع تلك البلدان ، فشنّوا فيها الغارة ، واستاقوا الأموال والمواشي . فلمّا رأى بطارقة الروم ذلك ؛ اجتمعوا إلى فوقا ملكهم الذي ملكوه عليهم فقتلوه ، وقالوا : ان مثل هذا لا يصلح للملك . وملكوا عليهم ابن أخي قوسط صاحب كسرى وصهره . وكان اسم الذي ملكوه هرقل ، وهو الذي بنى مدينة هرقله ، فاشتق لها اسما من اسمه . ثم انّ هرقل وجّه رسله في جميع الآفاق من بلاد الروم « 1 » ، فاجتمع اليه من الناس ما لا يحصيهم الا الله تعالى .
واستخلف بقسطنطنية أخاه . وسار في جنوده إلى شاهين قائد كسرى ، وكان عسكره بالخليج . فحاربه بجدّ واجتهاد ، حتى نفاه عن الخليج ، وهزمه . ثم قصد نحو شهريار « 2 » ، وقد كان جاز ارض مصر ، ووغل في بلاد الروم من ناحية ملطية وعين زربه ، فواقعه حتى هزمه ، . واخرجه عن بلاده وطرده . فاجتمع القواد الثلاثة شاهين وشهر بنداد وشهريار في مكان واحد ، واستعدّوا لمعاودة الحرب . فالتقوا بنصيبين . وقد كان وافاهم هر قل في جنوده ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، لهم يسمع السامعون بمثله . فكان الظفر ايضالهرقل ، وانهزم أهل فارس نحو المدائن ، والروم في آثارهم « 3 » يقتلونهم ، حتى توسّطوا ارض جرخى « 4 » ، فشنوا فيها الغارة ، وعثوا فسادا . فعجز كسرى وجنوده عن محاربة القوم وتحصن بالمدائن .
وسار هرقل حتى ضرب أبواب المدائن ، فحاصر كسرى وجنوده ، وقاتلوهم من فوق السور . فمكث هر قل كذلك ايّاما كثيرة ، حتى إذا امتلأت أيديهم من الغنائم . ثم انصرف
هامش
( 1 ) . ص : جميع ارض الروم
( 2 ) . النهاية : شهربراز
( 3 ) . النهاية : اثر هم
( 4 ) . النهاية : جوخى