ساير اللباس ، حتى أفضت إلى بطنه ، فدخلت فيه مقدار ظفر . فعمد بهرام إليها ، فانتزعها ، ثم وقف ساعة لشدة ما اصابه من حرارة الرمي ، فظن بغرون انّه قد قتله . فهتف به واقبل نحوه فناداه بهرام : انصرف وقف لي مكانك ، كما وقفت لك لأرميك . فخرج ، ووقف مكانه ، فانتزع بهرام قوسه ، واوترها ، ولم يستطع ان يوترها غيره . ثم فوق فيها سهما اختارها ، ثم نزعه متعمّدا لموضع الرمية التي رمى بغرون فوقعت من بغرون ذلك الموضع . فأنفدت المنطقة والدرع وسائر اللباس ، ثم دخلت في جوفه ، حتى نفذت من ظهره ، وسقطت منه على غلوة ولم يذ ( هب ) « 1 » من ريشها ولا عقبها شئ . فسقط بغرون ميّتا . فقال بهرام لأولئك الطراخنة والناس المجتمعين : يا قوم لا تلوموني ، فانّ الرجل تمادى في البغى علىّ ، ولقد أحوجني إلى ما لم أرده . قالوا لا لوم عليك ، ايّها الرجل .
فانصرف بهرام إلى منزله ، وقد كان اخبر أصحابه بقصّته وما جرى بينه وبين الملك . وحمل بغرون إلى منزله ميتا . فقال خاقان : لا يبعد اللّه غيره ، قد كنت نهيته ، فعصاني ، وتمادى في الغىّ ، فتعسا له وسحقا . ثم امر مناديا برئت الذمة من رجل يتعرّض لبهرام ، أو لأحد من أصحابه بسبب بغرون . فلما كان من الغد ، ركب بهرام إلى خاقان ، فلما خلّيا ، شكره خاقان ، فقال : انك ارحتنى من عدوّى وعدّو ولدى ، فنزل منه بأفضل منزلة . فلما كان بعد ذلك دخلت خاتون امرأة خاقان على خاقان ذات يوم ، وعنده بهرام . وهما مستخليان ، فجلست في المجلس الذي كانت تجلس فيه . ثم قالت : لبهرام ألا تنصفنى ممن ظلمني ؟ قال لها بهرام : أيتها السيدة ، اخبرينى بهذا الذي ظلمك من هو ، لا نتصف لك منه .
قالت انى كنت خرجت مند ثلاثة أعوام إلى عيد لنا خلف هذا الجبل ، ومعي حشمى ، ونحن جلوس نلهو ونلعب ، إذ نزل قرد من أعلى الجبل ، فعمد نحو ابنة كانت لي ما كان لي غيرها ، وكانت قرة عيني وثمرة فؤادي ، فاحتملها من بيننا كلّنا ، وانطلق إلى غار في هذا الجبل ، فهي هناك منذ ذاك ، فلا نقدر لها على خلاص . قال بهرام لخاقان : فلا تقدرون على رميه ؟ قال خاقان لبهرام : ومن يقدر على ذلك ، والمكان مرتفع صعب . كلّما دنا منه انسان ، رماه بالصخور متداركا ، ويستتر عند الرمي عمن يرميه بالجارية ، ثم ببادر بالحجارة . قال له بهرام : اركب بنا ايّها الملك ، وامر الرجالة ان يتبروا « 2 » من ناحية ، لنا وليأخذوا عليه رأس الجبل . فركب الملك وركب بهرام في نفر من الطراخنة ، وركبت خاتون في جواريها ، فأقبلوا حتى انتهوا إلى الجبل الذي كان فيه ذلك الغار . ونزل بهرام عن دابّته ، وخلع ثيابه ، ولبس صدرة خفيفة ولبس خف شعر خفيف . ثم تبطّن الوادي صاعدا ، حتّى انتهى إلى
هامش
( 1 ) . الدينوري 102 ، النهاية : لم يدمن
( 2 ) . النهاية : يثيروه