اريحك منه ، فيصفو لك ولولدك الملك ، وتستريح من بذخه « 1 » ؟ قال له خاقان : ان فعلت ذلك على حد شفقة منك وامر لا يكن منّى عيبه ، لم أكره ذلك . قال بهرام سيأتي من ذلك ارادتك ومحبّتك فلما كان من الغد ؛ دخل بهرام على خاقان ، وجلس مجلسه الذي كان يجلس فيه ، ودخل بعده بغرون ، فجلس على بساط الملك ، وجعل يتذرّع ويتكّلم كماكان يفعله كل يوم . فقال له بهرام : ما يمنعك يا أخي ، عمّرك اللّه ، من توقير أخيك واكرامه وقلة الهذر بين يديه ؟ فقال بغرون : بل ما أنت وذلك ، أيها الفارسي الطريد ، أتريد ان تدخل بيني وبين اخى ؟ ! قال بهرام : ايّها الرجل أنصفه في كلامك ، ولا تبذخ عليه ، فهو لا يبالي ببذخك . فان ظننت في نفسك ان لك فضلا على أحد في نجدة وشدة ، فاظهر ذلك .
فتناول بغرون من جعبته نشابة ، فناولها بهرام على العدل والانصاف . قال بغرون : ذلك لك ، وهل تقوم السماء والأرض الا بالعدل ؟ قال له بهرام : ستأكل من المنابذة التي دعوتنا إليها مطعما مرّا علقما . فافترقا على ذلك . فلما كان من الغد ، خرج بغرون مستلئما « 2 » محتقبا قوسا وجعبة ، وارسل إلى بهرام ان اخرج ايّها الرجل الفارسي الطريد ، لاعرفك نفسك .
فركب بهرام ، وارسل إلى خاقان ان بغرون قد بغى علىّ ، فانهه عنّى قبل ان اقتله . فأرسل خاقان إلى أخيه بغرون : ما أنت وهذا الرجل الذي قد لجأ الىّ واستجار بي ، قرّ في بيتك ، ودع عنك التعرّض له ! فانّك قد بغيت عليه . فأرسل اليه بغرون : ما انا بمفارقه أبدا حتّى اقتله أو يقتلني بالعدل . فان خليّتنى فهو ، والا فتكت بك في مجلسك . فسكت عنه خاقان ، وانما أراد ببغيه عليه ان يبلى « 3 » عذرا لئلا يلومه النّاس فيه ، أو يتهموه . فقال للرسول : اذهب فقل له : ان قتلك لم اطلب بقودك ، لانّك باغ عليه ، فشأنك وما تريد ، إذ عصيت امرى .
فخرجا جميعا ، ومعهما نفر من الطراخنة وعالم من الناس ، لينظروا ما يكون منهما .
فأقبلت الطراخنة يطلبون إلى بغرون ان يصفح عنه ، ويسكت . فأبى ذلك . فقال له بهرام : وما الذي تريد ؟ قال : تقف لي وأقف لك على مائتي ذراع ، فترمينى وارميك ، فأيّنا قتل صاحبه كان بريئا من قتله . قال له بهرام : ذلك لك . ثم نادى بهرام في أولئك الطراخنة وقال : ان هذا قد بغى وتمادى في الغّى ، فان انا قتلته ، فلا تلوموني ! قالوا : لعمرنا ما عليك لوم ، وقد طلبنا اليه ، فأبى الا المراماة . فتوقّف على مائتي ذراع ، فنادى بغرون بهرام : تبتدئ أنت ، أم ابدأ انا . فناداه بهرام : بل يبدأ الباغي ، فابدأ على اسم الله . فعمد بغرون ، فانتزع قوسه ، ثم فوق فيها نشّابة ، فرمى بهرام منها ، فوقعت النشّابة في منطقة بهرام والدرع
و
هامش
( 1 ) . النهاية : كدحه
( 2 ) . النهاية : مستلما
( 3 ) . النهاية : يبدي