تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
عندك ، وأنت أمله الذي يتناهى إليك امله ، وغايته ورجاؤه الذي يصمد « 1 » إليها همّته ، مع ما انّى لا احّب ان اجلس ، حتى أبلغ ما أريد بلوغه عند قراءتك كتاب سيدي في نصرته . فلما سمع قيصر ذلك ، قال لجلسائه بالرومية : هذا سيّد القوم . ثم قرأ الكتاب الذي بعثه كسرى فلما استتمه ، قال : هرمزد جرابزين : ايّها الملك ، انّ الله احلّك محلّا قوي أصله ، وعظم فرعه ، وأعطاك ملكا بسقت أغصانه ، وأينعت ثماره ، وجعلك مفزعا للملهوفين ، ومعادا للمستجيرين . فأدام الله الملك في علوّ الرفعة وعظيم السلطان ، ونحن رسل ابن أخيك كسرى بن هرمزد إليك ووفوده عليك . وهو يسألك ان تعضده وتعينه على قائد من قوّاده غمط نعمته ، فأنكر حقّه ، وحقّ آبائه عليه ، فخرج واستمال جنوده ، وحداهم على خذلانه ومحاربته ، وأراد سفك دمه . فهرب إليك منه رجاء ان يرد الله ملكه عليه بك وعلى يدك ، فلا تخلف ظنّه ، وكن معي وراء حاجته بجيش توجّه معه ، ويرّد الله عليه سلطانه « 2 » ، ويكبت به عدوّه ، فيكون لك اجر ذلك وذكره « 3 » . ثم جلس على البساط ، ولم يجلس على كرسىّ الذهب . فقال له قيصر : قد فهمت كتابه ، وسمعت كلامك ، وأقلقني ما حلّ به ، وأوجع قلبي ما نزل بساحته . وانا من وراء نصرته ، وغير مخيّب حسن ظنّه . فليفرغ روعه ، ولتطب نفسه . قوموا ، فانزلوا إلى أن ابرم امرى فيما قدمتم فيه ، وادبّر الأمور فيما جئتم له . ثم امر لهم بمنزل فاخر . فانطلقوا ، فنزلوا فرحين راجين لما وعدهم من نصرته ، مسرورين بما رأوا من شدّة توجّعه لكسرى ، واغتمامه بما حلّ به . ثم انّ قيصر جمع وزراءه وبطارقته وعظماء جنوده ، ودعا بالاسقف ، فأجلسه إلى جانبه ، ثم اقرأهم كتاب كسرى اليه ، ثم قال لهم : ما الذي ترون من نصرة هذا الرجل المغلوب على ملكه المضطهد سلطانه ، وقد اتانا مستجيرا خائفا راجيا ما عندنا مؤمّلا للفرج من قبلنا . فتكلم رئيس الوزراء ، فقال : ايّها الملك ، قد علمت مالقى قومك ، ومن كان قبلك من آبائك من أهل فارس بعد الإسكندر ؛ وكم غارة قد شنّوا في بلادنا ، وكم من جيش قد قتلوه من جيوشنا ؛ فدع القوم يشتغل بعضهم ببعض ، فان في اشتغال العدوّ فرج عظيم لنا . قال سائر وزرائه وطراخنته ، صدق ايّها الملك ، والامر على ما قال والأسقف ساكت لا يتكلّم . قال له قيصر : ما عندك يا كبيرنا في هذا الامر ؟ فقال الأسقف فهل يليق بملك أو سوقة ان يستجار فلا يجير ، ويستغاث فلا يغيث ، وسيمّا ملك مضطهد مظلوم قد أتاك ملهوفا ، فيجوز ان تردّه ، وتخلف ظنّه ، وتقطع امله . ثم قال قيصر : والمسيح انّه
هامش
( 1 ) . النهاية : يعهد ، تاريخ : « يحمر » أو « يحمل » ( 2 ) . تاريخ : ملكه ( 3 ) . تاريخ : اجرا في ذلك وذكرا إلى يوم الدين