البحر من ارض عدن ، فنادى ارياط في جنوده ، وقال لهم : انّ البحر من ورائكم ، والسيوف امامكم ، فلا منجي لكم الا الصبر والقتال ، فابذلوا المهجة حتى تموتوا أو تظفروا . واقتتل القوم قتالا شديدا ، وقتل من الفريقين مقتلة عظيمة . فكان الظفر للحبشة على حمير فانهزموا ، واتبعتم الحبشة . فلما خاف ذونواس الأسر ؛ اقتحم بفرسه البحر ، وقال : والله للغرق عندي أفضل من أسر السودان . فضربته الأمواج ، وكان آخر العهد منه . واقبل ارياط في جنوده ، حتّى دخل المدينة ، صنعاء . فنزلها ، وغلب على جميع ارض اليمن ، حتى ملكها ، وفرق الصلات والجوائز في عظماء الحبشة ، واشرافهم ، وحرم ضعفاءهم وازدراهم . فغضبوا من ذلك ، واتوا قائدا من قواد النجاشي ممن كان اخرجه مع ارياط ، وشكوا حالهم وما يعاملهم به ارياط ، من ايثار الاشراف عليهم . وكان القائد يقال له أبرهة .
فغضب لهم أبرهة ، وجمعهم اليه ، وحالفوه على الانتهاء إلى امره ، فعصى ارياطا ، وخرج عليه ، ودعاه إلى الحرب . فانحاز إلى ارياط اشراف الحبشة وعظماؤهم ، وانحاز إلى أبرهة الأنذال والضعفاء منهم ، واصحر « 1 » بعضهم لبعض ، والتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا . فأرسل إلى أبرهة ارياط : لم تقتل الحبشة بيني وبينك ، ابرزلي ، فأيّنا قتل صاحبه ، تولّى الامر « 2 » .
واستغنم ارياط ذلك لانّه كان عظيم الجسم ذاقوة فخرج أحدهما إلى صاحبه من الصفّين ، ووقف الفريقان عن القتال ينظر بعضهم بعضا وما يكون منهما . فحمل ارياط على أبرهة بالسيف ، وملأبه هامته ، فأسرع السيف في رأسه « 3 » ، فسقط عن دابتّه ، ثم علاوة أبرهة بالسيف ، حتى قتله . ثم نادى : يا معشر الحبشة ، الله ربنّا عيسى نبينا والإنجيل كتابنا والنجاشي ملكنا ، انى انّما خرجت على ارياط لتركه السوية بينكم ، فاثبتوا للاستواء بينكم ، فان الله لا يرضى بالاثرة في القسم ، ولابان يحرم الضعفاء المغنم . فمالوا جميعا ، وصاروا مع أبرهة ، واعطوه الطاعة ، وبلغ النجاشي ملك الحبشة قتل ارياط ، فغضب على أبرهة غضبا شديدا ، وقال ، بلغ من امر أبرهة ان قتل ابن عمى ارياط ، وانما هو قرد من القرود ليس له شرف في الحبشة ولا أصل . وحق المسيح لا طأنّ ارضه سهلها وجبلها برجلي ، ولا جزنّ ناصيته بيدّى ولأهريقنّ دمه بكفّى . ثم وضع لجنوده العطاء وتجهّز للمسير إلى ارض اليمن . وبلغ ذلك أبرهة . فملأ جرابين أحدهما من تراب السهل والأخر من تراب الجبل ، وعمد إلى ناصيته ، فجزّها ووضعها في حقّ عاج . ودعا بالحّجام ،
هامش
( 1 ) . تاريخ : واضجر ، النهاية : وأضحى بعضهم لبعض أعداء
( 2 ) . ينظر : الكامل في التاريخ : ج 1 ص 432 ، والأغاني - طبعة دار الفكر - 17 / 304 ، 306 ، 308
( 3 ) . النهاية : دماغة